Tattaunawar Alfred North Whitehead
محاورات ألفرد نورث هوايتهد
Nau'ikan
ولم تكن هذه الاجتماعات علمية فحسب، بل كانت شخصية كذلك. ولمدة ثلاثة عشر عاما على الأقل منذ منتصف العقد الثالث بعد عام 1900م إلى ما بعد منتصف العقد الرابع، كنا نسمع عن السهرات في بيت هوايتهد، ليلة كل أسبوع يفتح فيها البيت للطلاب، وإن يكن صاحب البيت يرحب بأي زائر، وكانت هذه الحفلات غاية في البساطة؛ أحاديث، وشراب الشوكولاتة الساخنة، مع قليل من الكعك، وكان التلاميذ يعاونون في عمل الشوكولاتة وفي الخدمة. أما الحديث فحديثهم يشجعهم عليه بمهارة مضيفهم ومضيفتهم. وبالجملة كانت الأمسيات أمسيات الطلبة، ولم تكن أمسيات آل هوايتهد. وقد كان الطلبة يحضرون في أول الأمر حذرين مثنى مثنى؛ كي يحمي كل منهما الآخر، ثم اعتادوا أن يأتوا زرافات. وقد طلب إليهم هوايتهد أن يصحبوا زميلاتهم، وكانوا بالفعل يصحبونهن، ثم كانوا في نهاية الأمر يأتون في جماعات كبيرة، وقد يبلغ الحاضرون من ستين إلى ثمانية وتسعين في الليلة الواحدة؛ فكان بيت هوايتهد «صالونا» بالمعنى الفرنسي في القرن الثامن عشر، يقوم في بلد علمي ويروده الشبان والشابات، يتناولون فيه الكعك الخفيف والشوكولاتة الساخنة، وكانوا يصبون إلى جانب هذا ذلك الرحيق العقلي الذي ينعش ولا يسكر، وهو الحديث مع آل هوايتهد، مع الرجل وزوجه، وقد قال بنفسه مرة: «إنني وحدي أستاذ من الأساتذة، ولكني مع إفلن أستاذ من الطراز الأول.» •••
وذات صباح في شهر مايو من عام 1932م دق التليفون بمنزلي، وكانت المتكلمة مسز ثاديوز دي فريز، التي راح زوجها الشاب ضحية وباء الحرب في معسكر حربي في عام 1918م، والذي كان رئيس تحرير «بوستن جلوب»، قالت: «لقد دعوت آل هوايتهد للعشاء عندي غدا. فهل تستطيع أن تحضر؟» - «آسف؛ فقد حزمت متاعي استعدادا للسفر إلى آل بركشير.» - «إنهم ضعاف، وقد تقدمت بهم السن، وخير لك أن تعدل عن رأيك.» (وعدلت عن رأيي.)
وأخذت معرفتي بهوايتهد تنمو ببطء، وكنت في السنوات الست الأولى من عام 1932م إلى عام 1938م واحدا من عشرات، بل من مئات، ممن يقصدون هذا المسكن ويغادرونه، وقد قال مرة إن الحديث ينبغي أن يبدأ بنغم هادئ، «يجب أن يسمح للناس أن يتحدثوا في الأمور العامة حتى يكتسبوا حرارة الحجرة، والطقس موضوع ملائم، والحديث في الجو يكفي.» وقد عكست صورة هذا الرأي في الصفحات الافتتاحية من هذه المحاورات، وسوف تنمو كذلك معرفة القارئ بهوايتهد شيئا فشيئا.
ولكن بعد نحو عامين بسطت شخصيته نفوذا عجيبا، وكأن شخصه وأفكاره قد تخللت كل شيء، وبلفتة عجيبة من لفتات الخيال طابقت شخصيته إحدى المقطوعات الموسيقية الرائعة، تلك الصفحات من خاتمة سمفونية براهمز الرابعة، تلك «الباسا كجليا» العظيمة، حيث تردد الأبواق الموضوع في نغمات ذهبية متدفقة متصلة فوق «الأربجياي» الرنان، مع الجوقة و«فيولونسلي» و«فيولا» - أي الكمان الجهير والكمان الأوسط - (والمقاييس من 113 إلى 129)، ويبدو أن وجه الشبه يبن شخص هوايتهد وهذه المقطوعة الموسيقية هو الجلال في كل.
ثم اختفى شخصه بعد ذلك، وبقي صوته واضحا، رنانا، رفيقا، حازما، دقيق النطق، بريطانيا في نغمته ونبرته؛ وبقيت صورة وجهه جادا، مشرقا، باسما في أغلب الأحيان، وبشرته بيضاء في تورد، وعيناه زرقاوان براقتان، صافيتان بريئتان كعيني الطفل، ولكن في عمق الحكماء، ضاحكا في أكثر الأحيان، أو مرحا بالفكاهة؛ قوامه نحيل، ضعيف، احدودب من مشقات البحث العلمي الذي شغله طوال حياته؛ وكان دائما حليما، لا يضمر مثقال ذرة من شر؛ وبرغم تسلحه باللفظ المريع، لم يجرح قط امرأ بكلمة، وكأن وجوده المادي لم يكن إلا موصلا، لاستغراق الحاضرين كلية في أفكاره، وكأن هوايتهد المفكر قد اختفى في محيط أفكاره، ولم يحدث ذلك مرة واحدة، ولكنه كثيرا ما حدث، وبغير انقطاع. وحدث شيء غير ذلك أيضا؛ فكم من مرة توجهت إلى كمبردج مجهدا بعد عمل يوم كامل لا أستطيع أن أحتمل حديثا متصلا، فأجدني عائدا في منتصف الليل بعد أربع أو خمس ساعات من تبادل الحديث معه ملتهبا بنار الحياة المشتعلة. فهل كانت تشع منه كهرباء الروح؟
وكان يحيرني أن زائرين آخرين كانوا يتلقون ذلك الفيض من الآراء القوية المبتكرة في برودة بادية. فهل كان مجرد فرد من كثيرين، وهل لم يحدث شيء غير عادي؟ هل كان يمكن لهؤلاء الزائرين أن يظفروا بمثل هذا الحديث في مائة موضع آخر؟ أما عني، فلم أستمع إلى حديث يشبهه في أمريكا أو في أوروبا، وأستبعد أن أستمع إلى مثله مرة أخرى. إن كان هذا الحديث في الكتب، فما عناوين تلك الكتب؟ كلا، إنه حديث لم تتضمنه الكتب، بل لم تتضمنه كتبه عينها كما ذكر فيما بعد.
وقد يسأل سائل بعد قراءة هذه المحاورات: «ما هو وجه العجب الشديد فيها؟» أحسب أن تفكير هوايتهد بطيء التأثير، إنه كالموعظة في السلوك، ليست لها قيمة إلا باتباعها، أو كالموسيقى، صامتة قبل أدائها؛ أو كالبذور، عقيمة ما لم تبذر وتزرع. يقول الناس عن كتب هوايتهد: «لقد قرأناها، فهزتنا وأمتعتنا، ولكنا لم نذكر فيما بعد ما قاله فيها.» ويصدق مثل هذا القول على نغمات «ديابلي المتنوعة» لبيتهوفن، وعلى «جمهورية أفلاطون». •••
ولكن حذار، فإن بعض ما في هذه المحاورات يدعو إلى الجدل الشديد. ومن الكتب ما يحوي شيئا يسر كل إنسان، وأرجو ألا يكون هذا الكتاب منفرا على إطلاقه، ومع ذلك فأعتقد أنه يمكن القول، في شيء من التواضع، إن في الصفحات التالية ما يزعج كل قارئ، وأنا واحد من هؤلاء. إن ساكن الحدود لا يستمتع في الوقت عينه بلذة المغامرة والراحة المستتبة التي تتوافر لأفراد المجتمع المستقر. إن كان من القراء من لا يعبأ بنقده للعقائد المسيحية، أو انحرافه عن الفكر العبراني، فأنا لا أعبأ كذلك ببعض أحكامه في الموسيقى والشعر، وهما مما أدين به، والفارق هو: أي الديانتين محل الطعن؟ أما هوايتهد فكان يسير نحو مرتفع رصين يعلو على الجدل. - «إن لهيبي مزيج من النيران يعلوها جميعا.»
لم يكن هوايتهد ممن يجمدون الرأي؛ لأنه كان يمقت اليقينية النهائية، ولم أكن أعارضه (وعلى أية حال كنت أعجز عن ذلك عجزا تاما)، إنما كانت مهمتي أن أعاون على استمرار الحديث وتدفق الأفكار. لم أعارض قط «لأن أسوأ ما في المعارضة هو أنها تفسد البحث الجيد»؛ ومن ثم فإن كان بعض ما يصدر من أفكار جارحا، لم يسعني إلا أن أردد ما قال تودجر فيرميل في قصة «ماجور باربرا»، كما روي بل ووكر.
يقول إنه ينظر إلى السماء ويقول: «أتمنى أن أكون جديرا بالمهانة في سبيل الله!»
Shafi da ba'a sani ba