اجتمعنا عصر هذا اليوم خمسة من الشباب عند خروجنا من درس السوربون، واتفقنا على أن نأخذ الشاي معا، وكان بيننا فرنسي صديق أحدنا، فصحبنا هو الآخر وذهبنا فأخذنا ركنا في القهوة بعيدا عن الضجة والذهاب والجيئة، ويسمع الإنسان منه دقات الموسيقى تصل إليه رائقة من التشويش والجلبة، وجيء بالشاي وبقينا نتناقش في نقط مما ألقيت في هذا الدرس الذي ألقاه رئيس أساتذة كلية الآداب: - مهما يكن من الأمر فليس من السهل الاعتقاد بأن هذا الوجود العظيم الذي نحن فيه يسير على غير نظام ومن غير رقيب، وكما إنا لا نحس بالدورة الدموية فينا، ولولا الطب لما عرفناها كذلك، فما دمنا نرى أنا نسير في الحياة بنظام عجيب فليس جهلنا بالقوة المصرفة للكون بمثبت عدم وجودها؛ وعليه فأرى أقرب للعقل التصديق بما دار في خلد الناس من القدم وما جاءوا به تقريرا لوجود خالق منظم للكون وما فيه. - أعجبني ما صنعت من المقارنة بين الدورة الدموية ونظام الكون، ولكني أرى استنتاجك معتلا وإليك البيان. - نحن إنما صدقنا بالدورة الدموية يوم وجد من يثبت وجودها أمام حسنا ولا يدع عندنا موضع شك فيها، أما ما قيل عن نظام الكون وأصله وعلته فلم يخرج عن المضاربات النظرية المجردة المبنية على الخيال والوهم، جاء أقوام من الأقدمين فضربوا بخيالاتهم في كل صوب، وجاءونا بفكرة عن خالق الأرض ومبدع الكائنات، وجاء من بعدهم نبي بني إسرائيل فأخذ فكرتهم ونقحها كما أوحى له طبعه فأخرج للناس إلها قاهرا قادرا عظيم الجبروت والسلطان، وانتقل الأمر من بعده لعيسى وهنا نحن في أوربا نتبع إلى اليوم تعاليمه وتخرج منها المبادئ والمذاهب والآراء حتى ولو استحال عليها أن نخرجها، ويستند بعض المفكرين على كلمة جاءت عرضا في الإنجيل ليقيموا عليها نظرية اجتماعية عويصة أو مبدأ اقتصاديا هاما، بل ويبلغ ببعضهم أن يبني عليها مسألة علمية لا دخل للدين فيها، وجاء من بعد عيسى نبيكم محمد فصبغ الإله بروحه القوية الهائجة الطالبة العظمة والمجد، الظمأى إلى فضائل التقشف والزهد وإلى لذائذ الحياة جميعا، وجاء من بعد أولئك أنبياء كثيرون، ولكن العالم كان قد انتقل إلى حال فكرية لا تسمح له بتصديقهم. - في هذه السنين الأخيرة تضاربت الأقوال واختلفت المذاهب في أمر الخلق والخالق، وقام كل يعلل مبدأ وينصر رأيا، ولقد كان من همي زمنا ما أن أبحث في هذه الآراء والمبادئ وأقربها للتصديق لأنه أقربها للحس المبدأ المادي وكلكم تعرفونه، ولو لم يكن من خطأ الناس في فهمه والنظر إليه لما نفروا منه كما ينفرون، فإنا جميعا نرى بأعيننا ونسمع بآذاننا، ويصل إلى كل حواسنا أثر القواعد التي بني عليها هذا المبدأ، نحس جميعا بأن ما نسميه الحياة لا يمكن في الجماد لأن من علائم الحياة الحركة والنمو ، والجماد لا يتحرك ولا ينمو، لكنا نعترف إلى جنب ذلك بأن من الجماد ما ينمو وما يتوالد، مثال ذلك مناجم الحجر يأتي عليها أصحابها ثم يتركونها تمتلئ بطبعها من جديد؛ إذن فهذه درجة وإن تك دنيئة جدا من درجات الحياة، ويجيء أرقى منها النبات فإنه أظهر نموا وبعضه يصل في درجات النمو بحيث يكفيه أن يعيش في الماء، وذلك شأن بعض الحيوان لا يعيش إلا في الماء فهو في ذلك قريب جدا من درجة هذا النبات الراقي في درجة الحياة؛ لأن هذا الحيوان يتحرك، وترتقي درجات الحياة حتى تصل إلى الإنسان، وهي تختلف كذلك في الناس، من هذا كله يظهر أن الحياة كمينة في المادة أو هي صفة من صفاتها “une FONCTION de la matiére”
واختلاف درجاتها إنما يجيء نتيجة اختلاف تفاعل العناصر الموجودة في المادة، ولهذا السبب عينه فإن المادة لا تفنى ولا تزيد وإنما تتحول، هذا هو أقرب المذاهب إلى العقل وأحقها بالتصديق في رأيي. - ترقيك يا صاح في التعليل المنطقي يعجبني، لكنك تظهر استخفافا غريبا في كلامك بسر الحياة، هذا السر العجيب الغامض الذي حار فية الفلاسفة وعجز دون كنهه العلماء، تحكيه أنت بتعليل بسيط ظاهر كما تقول، ولكنك لم تبين كيف يمكن لمذهبك المادي مذهب تفاعل العناصر أن يفسر حوادث الكون كلها ودورات الفلك وتتابع الليل والنهار واختلاف الفصول وتعاقب الدوران، فهل ذلك كله يسير على مقتضى تفاعل العناصر، وإذا صح ذلك فلم لا يزيد عنصر على عنصر قوة في وقت ما فيختل هذا التوزان العجيب الذي نرى في الكون؟ بل كيف تفسر حياتنا نحن على الأرض؟ كيف يمكن أن يكون الناس في وقت واحد متضامنين ومتباغضين، متضافرين ومتحاسدين، وهم دائما معا وقلوبهم شتى؟ كيف يمكن تفسير هذا إلا إذا افترضنا قوة قادرة مصرفة للكون خارجة عنه موجودة فيه وضعت له نظاما يسير عليه وكفلت هي بوجودها حفظ ذلك النظام. - لقد فكرت أنا الآخر في الكون كثيرا، فكانت أصغر معضلة من كبير أسراره كافية لتوقفني مبهوتا دونها عاجزا عن حلها معترفا بوجود قوة لا أستطيع فهمها، ولكني أحس في أعماق قلبي بوجودها، قوة أخضع لها لأني أؤمن بها وأعتقد أن في يدها إسعاد الخلق وشقاوتهم، في يدها النعيم والجحيم، مطلعة على الغيب عالمة بما كان وما يكون، بها وحدها أومن وفيها أجد السند الذي أستند إليه عند عجزي وضعفي، لا إله إلا الله. - اعتراف متدين في قهوة لأنه مسلم، ربما كان هذا أحسن من اعترافي أنا يوم الأحد الماضي أمام القسيس في الكنيسة، حين أخبرته أني أعتقد أنه محترف فقال لي: «إنك ارتكبت خطيئة لا يمحوها إلا التوبة والتكفير عنها» ومع قوله هذا فآسف (إني لم أتب). - كل هذه المسائل التي أردت تفسيرها يفسرها تفاعل العناصر، سل علماء الاقتصاد ينبئوك أن الحياة مبنية على المناقشة، وهل المناقشة إلا تفاعل المصالح، سل الاجتماعيين يخبرونك أن كل شخص متضامن مع الآخرين لأنه مكلف بطبعه الاجتماعي أن يخدمهم، فهل معنى ذلك إلا التفاعل؟ ودورات الفلك وتتابع الليل والنهار إنما هي نتيجة تفاعل المادة الموجودة في الكون كله أي في السماء والأرض، أولو وقفت الأرض لحظة عن الدوران أما يختل العالم بأسره سماؤه وشمسه ونجومه!
ولكنها لا تقف لأن كل هذه القوى الأخرى تدفعها لإتمام دورتها، هي كالساعة الكهربائية كامن فيها كهرباؤها فهو يحركها وهي نتيجة له.
صديق آخر: أيكما الآن أدخل في باب المضاربة النظرية من صاحبه، كلاكما يتكلم في المتافزيقا ربما كنتما محقان جميعا ... - كلا يا صاح، صديقي المسلم وحده هو الذي يتكلم في الميتافزيقا، وأما أن فأعترف بأن كل شيء لم يثبته النظر الحسي بنفسه أو بمعونة العلم لا أقدر على تصديقه ... هل يجهل أحدنا تزايد الحجر أو نمو النبات والحيوان؟ هلا نعلم جميعا قوانين الجاذبية في العالم؟ هلا ترى تفاعل المواد وامتزاجها كيماويا، هلا تستطيع أن تضعف حياة إنسان بألم أي بإفساد تفاعل العناصر، كلنا يعلم أن الأجهزة الحية في الحيوان أشبه شيء بالأجهزة في الآلات الميكانيكة أو إن شئتم فاعكسوا الشبه، لم تفسد الماكينة إذا فسد تفاعل أحد أعضائها وبطل أو انحط عمله، أليس ذلك لانعدام التفاعل.
وقد أثبت العلم أن القوانين التي تسير عليها الجماعات هي بعينها التي تحكم المواد والتي تحكم الأفراد، وأثبت كذلك وجوها شتى لشبه بين أجرام الأرض وأجرام السماء، وأن هناك جاذبية وتفاعلا بين هذه وتلك، فأي متافزيقا بعد ذلك اتهم بها.
لا أنكر أن جوهر المادة في ذاته والسبب الأصلي في وجود قوي في هذا الجوهر لم يظهر بعد بوضوح كاف أمام العلم، ولكن ذلك لا يحملنا على الرجوع إلى الوراء آلاف السنين، واعتقاد أن هناك قوة خارجة عن الكون داخلة فيها منخرطة معه بعيدة الشبه عنه تصرفه ولا تتأثر به، جامعة كل ما شئت من أضداد الصفات وقادرة على كل شيء.
هذا رأيي وهو معتقدي.
وطال بعد ذلك جدال جعل المسألة تنتهي بضحك وضجة أن مر بالجالسين فتيات من معتادات القهوة، وجلسن على مقربة منهم وجعلوا يشاغلنهن.
أول يونية
كلنا يحني رأسه أمام ما عمله هو شخصيا، ولا يجرؤ على القيام ضده، ليكن ذلك جالبا عليه ما يجلب فهو خاضع لنتائجه، عامل على احتمالها بأي شكل ممكن، تلك عقيدة عامة قد تكون لا معنى لها ولكنها على كل حال لازمة لبقاء الجنس وسعادته، فالصغير الذي يضر بنفسه أنواع الضرر لا يصيح ولا يبكي؛ لأنه يحس أنه هو الذي جلب الضرر على نفسه، كذلك إذا تزوج شاب بفتاة عن معرفة وشيء من الحب سابق لم يكن لأيهما إذا صادفه ألم من هذه الرابطة أن يعزو بسبب هذا الألم لغيره أو أن يكبر شأن مصابه، بل هو يسعى لتخفيفه لأنه يعلم أنه وحده المتحمل لهذه المسؤولية الثقيلة؛ من أجل هذا واجب أن يترك للفرد في كل شيء أوسع ميدان ممكن للعمل؛ ليكون أقل حنقا على غيره وعلى الإنسانية، وأكثر بعد نظر وتدبر حين يريد احتمال المسؤولية.
Shafi da ba'a sani ba