له وجه أسمر فاتح، يزينه شاربان على الطريقة الألمانية، وبين شفتيه فم سيجار لا يفارق فمه بأي حال من الأحوال، في يقظته ومنامه، في حله وترحاله، أراد أن يحصل على جواز للسفر ذات يوم، فكتب كاتب التشبيه ما يأتي: أسمر بعيون نعسانة عسلية، وفي فمه سيجار، ودايما مكشر.
لم أره يوما إلا مدرعا بجرنال، يحجب ضوء الشمس عن سحنته الجميلة نهارا - وليلا - وتحت طربوشه شعر له لمعان الماس ومتانة الأسمنت المسلح، ويتبين أي مخلوق على عينيه الجميلتين آيات الغباوة المجسمة.
وزبوني هذا يعتقد أنه جميل جذاب إلى حد لا يتصوره إنسان، فإذا مر في طريق الأهرام مثلا داس القلوب ووطأ الأكباد، بل يؤكد أن من في العربات والسيارات من سيدات وخادمات يتنهدن إذا مر بهن كما يتنهد الخائف إذا مر به الخطر؛ لأن حب السيد الأديب جعلهن في خبال.
ويتكلم العربية الفصحى بالعافية - جمل لا يفهمها إلا هو - وقفت به يوما عند غناجة، ورجع بعدما ابتاع زجاجتين من الروائح الزكية، وقابله صديق له على الرصيف، ودار الحديث بينهما، قال الصديق: ديهده يا سيدنا البيه، إيه الروايح اللطيفة دي؟ - لا والله! ما هذه إلا من نفحات عطرياتك المتشوقة. - لا، لا، أنا بسأل عن القزايز دي، يعني واخدها لمين؟ - هذا ما كنت على وشك أن أفسره، فهذه - وأشار إلى الزجاجة الأولى مبتسما - للبنية اللي بتلبس أسود دايما في الكازينو، وسأكتب لها عليها بيت الشعر الآتي:
يا حبيبتي لا أخشى القتال وإنما
أخشى على عينيك وقت عياط
والأخرى للقطقوطة كيتي، وسأكتب عليها بيتا من الشعر مش فاكره دلوقت، وضحك تاركا صاحبه قفزا إلى عربتي قائلا: سوق يا أسطى على الجزيرة.
ونظرت فإذا بصديقه لا يزال فاتحا فاه كالمأخوذ، وانقضى الوقت في الجزيرة، وهو يكتب في أجندته نمر العربات والسيارات التي تمر بنا، والفاضي يعمل قاضي.
ثم نرجع فأقلبه - في سولت أو على رصيف سانت جمس، فيدفع الأجرة بكل سخاء، شأن الذي ربح كثيرا، رحم الله أيام الحرب والضرب، أيام كان رطل النحاس بوقة ذهب.
بعد هذه التوصيلة كنت أقصد إسطبلي لتستريح خيلي، وأنا إلى القهوة لتهدأ ثائرة مخي بعد وقت ضاع مع سعادته.
Shafi da ba'a sani ba