وقد قرر الأعضاء أن يلبوا رجاءها وأن يشكروها عليه، وإن كانوا قد اعتذروا عن حضور العشاء لانشغالهم بإعداد الخطة التي تلائم الموقف الجديد.
ولم يكن شعور الأعضاء بعد الاعتقال شعور فزع وارتداع كما قدرت السلطة، بل كان شعور استياء لاعتبارهم دون من اعتقلتهم السلطة في الخطر والأثر، وشعور رغبة في إفهام السلطة الإنجليزية خطأها وتحديها واستفزازها بإتيان العمل نفسه الذي من أجله اعتقلت سعدا وأصحابه. وقد كتب شعراوي باشا احتجاجا إلى رئيس الحكومة البريطانية على اعتقالهم، وأبلغه فيه أن الوفد مثابر على خطتهم، كما وجه مع زملائه في اليوم التالي خطابا إلى صاحب العظمة السلطان يلقي فيه تبعة إعراض الكبراء عن تأليف الوزارة على السلطة العسكرية، وقال في خطابه إن هذا «هو النتيجة الطبيعية للخطة التي اتخذت في مسألة سفر الوفد، فإن كل مصري ذي كرامة لا يمكنه حقيقة أن يقبل الوزارة في هذا الظرف من غير أن يستهين بمشيئة بلاده».
وكانت الحكومة البريطانية قد اختارت الفيلد مارشال اللنبي مندوبا ساميا لها بمصر بعد نشوب الثورة بأسبوع تقريبا. وكانت تهدف بذلك إلى إشاعة اليأس في نفوس المصريين بتولية هذا المنصب لقائد كبير من قادة الإمبراطورية، ظنا منها بأن فاتح القدس سيدخل الرعب في القلوب، ولن تمضي مدة قليلة على تعيينه ومنحه السلطات العليا حتى تخمد الثورة.
وقد بدأ الفيلد مارشال اللنبي عمله بمصر باستدعاء الكبراء والعظماء ليفهمهم أنه جاء لينهي الاضطرابات ويتحرى أسباب الشكاية ويعمل على الإصلاح.
ولكن مقابلاته لهؤلاء العظماء ومطالبته لهم ببذل النصح، ذهبت كلها سدى ولم تنجح مساعيه في تشكيل الوزارة.
اشتغالي بالحركة الوطنية
بدأت حركاتنا السياسية بالمظاهرة الكبرى التي قمنا بها صباح يوم 20 مارس 1919، وكان ذلك بعد أن أطلق الإنجليز رصاصهم على المتظاهرين إثر نفي سعد زغلول باشا ورفاقه إلى مالطة، وقد قامت هذه المظاهرة احتجاجا على تصرفات القوة الغاشمة التي أزهقت الأرواح البريئة، التي لم تجن شيئا سوى المطالبة السلمية باستقلال البلاد ورفع الأحكام العرفية عن كاهلها والمناداة بإعادة سعد من منفاه.
وكنت قد وجهت كتابا إلى «لادي برونيت» عقب أول مظاهرة حدث فيها إطلاق الرصاص على المصريين، أظهرت فيه أسفي على ما وقع من الضباط الإنجليز لأبنائنا ... وكانت قد كررت لي مرارا في حديثها عن الحرب أن إنجلترا لم تخض غمار الحرب طمعا في الاستعمار، بل خاضتها رغبة في إنقاذ الأمم الضعيفة وإعادة استقلالها إليها. وكان أن كتبت لها هذا الخطاب لأذكرها فيه بكلماتها.
سيدتي ...
في هذه الظروف المحزنة التي نجتازها، جئت أذكرك بمحادثاتنا أثناء الزيارات التي كنت تؤدينها لي في الصيف الماضي بمنزلنا في الرمل، حينما كنا نتحدث عن نتائج الحرب المؤلمة، وكنت تؤكدين لي إذ ذاك أن بريطانيا العظمة نزيهة في اشتراكها في هذه الحرب، وأنها لم تسهم فيها إلا لخدمة أمنية العدل والإنسانية، وللدفاع عن حرية الشعوب المظلومة وحماية حقوقها.
Shafi da ba'a sani ba