تنبيه: مَنْ أبغض بعضَ مَنْ ذَكَرْنا من الصحابة ﵃ من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ - من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحوِ ذلك - لم يكنْ كافرًا ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم ﵃ قد وقعتْ بينهم مخالفاتٌ كثيرةٌ عظيمة، وحروبٌ هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّرْ بعضُهُمْ بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُمْ في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام:
فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له.
أو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذورْ، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجورْ. (اهـ كلام القرطبي باختصار).
وقال الإمام الذهبي في قَوْلِ عَلِيٌّ ﵁: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﵌ إِلَيَّ أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ»:
«مَعْنَاهُ: أَنَّ حُبَّ عَلِيٍّ مِنَ الإِيْمَانِ، وَبُغْضَه مِنَ النِّفَاقِ، فَالإِيْمَانُ ذُو شُعَبٍ، وَكَذَلِكَ النِّفَاقُ يَتَشَعَّبُ، فَلاَ يَقُوْلُ عَاقل: إِنَّ مُجَرَّدَ حُبِّهِ يَصيرُ الرَّجُلُ بِهِ مُؤْمِنًا مُطلَقًا، وَلاَ بِمُجَرَّدِ بُغضه يصيرُ بِهِ الموحِّد مُنَافِقًا خَالصًا.
فَمَنْ أَحَبّه وَأَبغض أَبَا بَكْرٍ، كَانَ فِي مَنْزِلَة مَنْ أَبغضه، وَأَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ، فَبُغضهُمَا ضَلاَلٌ وَنفَاق، وَحبُّهُمَا هُدَىً وَإِيْمَان» (١).
إن عليًّا ﵁ قد أحبه قوم لا خلاق لهم - وهم الشيعة، وأبغضه قوم من النواصب.
فالمراد بالحديث: «لا يحبك الحب الشرعي المعتد به عند الله تعالى، أما حب الشيعة المتضمن للبلايا والمصائب، فلا عبرة به، بل هو وبال على صاحبه كما أحبت النصارى المسيح ﵇».
(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥١٠).