Min Shuquq Zalam
من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
Nau'ikan
أرادوا اقتحام عفتي وحيائي وما عرفوا أنهم فجروا في براءة الإنسان قبل أن يفقد عذريته حينما نالت منه ثمار شجرة الخطيئة والرذيلة. هذه أسمال الفضيحة، لن يعيبني التجرد منها، وهل يعيب المرآة أن ترتد إلى فطرتها الأولى وأن تزاح منها الشوائب والأكدار؟ خذوها كلها لا حاجة لي بها، إنما يحتاج إلى الستر من به عيب، ومن عيوبكم كلها أنا بريء.
رشوا علي سائلا سريع الاشتعال غمرني باللهب مرات عديدة، وبين لهب حريق وآخر كانوا لا يجدون منفضة لجمر سجائرهم إلا في جسدي الأسمر السابح ألما في الفضاء، مختنقا بدخان سجائرهم وفحش أقوالهم. هراوات خشبية وأخرى حديدية كانت تترك بصماتها على أعضائي بتناوب مجنون، استحال تدريجا ثوب الألم المزمن إلى درع واق يصد موجات عنفهم. كثرة الألم أفقدتني الإحساس به.
دم حار حد اللسع كان يجري على غير ما أعتاد عليه بين أنسجة ممزقة عند الكتفين المخلوعتين بفعل التعليق. بدأت أستجمع كل قواي الكامنة في مجهول عقلي حتى ألاحق سمو الروح. الندوب والجروح بعضها سيلتئم يوما ما، وأخرى ستبقى نياشين لذكرى المواجهة محفورة أبدا في جسدي، ليفوح منها في كل حين عطر الدم الذي يصرع السيف في كل منازلة له معهن ومتى ما التقيا.
سرى خدر في كل أنحاء جسدي، قتل الألم فيه وبدأ يعطل الحواس شيئا فشيئا، كلما تصاعد زمن المواجهة سائبة النهاية، لكنها في ذاك اليوم انتهت وكانت جولة أولى سوف تتبعها جولات عديدة.
قال لي أحدهم بعد حفلة السمر هذه التي تجرعت فيها كثيرا من ساديتهم، إنه قد أرهق وعلي أن أعترف وكفى صمودا ومقاومة لأنها بلا جدوى، صدمته برد لم يتوقعه حين قلت له بكل بداهة وبلا أدنى تردد: «إني لم أنو ولا أريد أن أسبب لك تعبا.»
أشفقت عليه كثيرا لكنه قهقه ساخرا ولربما مستغربا، ظل يردد مقولتي لوهلة وهو يضحك، إنما بدا لي وهو يستعيدها أنه صدق نيتي بعمق، لكن للأسف بدا أيضا أنه لم يفهمها جيدا كما كنت أريد. كنت أتمنى له أن يفقه ما أقول، لكن أنى لمن خاض في وحل حظيرة خنازير أن يشم شذى طيبا أو عبيرا فواحا. ليس باليد من حيلة الآن، لكن ما علي إلا فعل ذلك، ولن أتوقف عن فعله لا الآن ولا من بعد، وسوف يفهم هو ونظراؤه أغنيتي في يوم ما.
5
توالت ليالي التعذيب متواصلة لأربعة أسابيع، تقطعها استراحات اضطرارية كانوا يحرصون على تمتعي بها، لمنح جسدي فرصة للتهيؤ والاستعداد لتلقي مزيد من التعذيب عندما يصبح هزيلا جدا لا يقوى على تحمله، وبالأخص ذراعي اللتين كانتا تصابان بخدر تام جراء التعليق إلى السقف.
بعد أن تهدأ قليلا بعض جراحاتي تتكرر الحكاية من جديد، ليس لمرة واحدة، بل لمرات كثيرة، وفي كل مرة كانوا يسقونني غضب غرائزهم من جوارح هائجة تنفلت تماما من عقالها كما هو حال الضواري المسعورة، كنت أسقيهم بالمقابل خمرة الصمت التي تطيح برءوسهم، وتجعلهم أكثر جنونا يتقيئون الشر المتجمد في صدورهم. أرجع إلى زنزانتي متوجعا لا تتحمل أعضائي أن يحتك أحدها بالآخر وجلدي صبغ بحمرة قانية إما من دم أو من أثر السياط بعد كل حفلة تعذيب، وهم يعودون سكارى حيارى لا يجدون حلا لمعضلتي ولا فكا لأحجيتي.
كنت أودعهم هادئا في قرارتي رغم ألم الجراح، وهم في انكسار وخيبة يزبدون ويعربدون. صخب الصمت الذي أذيقه لهم كان يقتلع الأصابع الغبية التي يدسونها في آذانهم كي يصموها عن سماع رعد الحقيقة، وهو يمزق الأسمال البالية التي يدفن بها البلهاء رءوسهم. طرق شتى حاولوها لإرغامي على البوح بأشياء لم ولن يعرفوها أبدا، حتى يومنا هذا بقيت سرا مخبوءا ما زلت أحتفظ به للساعة في صدري. صدري قبر لأسرار كثيرة حتى لمن شاركني السجن ولمن كان أقرب الناس إلي من قبل أو حتى من بعد، ولليوم لم يزل يجهل ما كنت أقوم به فعلا من مناهضة سلطة القمع البوليسية وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات قبل دخولي للسجن. القليل جدا - وربما هو شخص واحد فقط - كان يعرف مهمتي الحقيقية والدور الأساس الذي كلفت به. ومع أن كل هذا أضحى الآن بلا أهمية حقيقية إلا أني لا أجد مسوغا للبوح به، إنها خصوصية أعتز بها؛ لأن كل مهارتي وبراعتي كانت في هذا التكتم البالغ وحفظ سرية العمل. ليس من السهل أن تكشف سر التفوق بالمهنة خصوصا لمن لا يعرف قيمة ما تخبئ وتواري. العمل الثوري درة غالية وجوهرة ثمينة لا ثمن لها، وأربأ بنفسي أن أعرضه في السوق، فكيف به إذا كان سوقا للأشياء الرخيصة؟
Shafi da ba'a sani ba