Mujallar Tarihin Misira Ta Da
موسوعة مصر القديمة (الجزء الأول): في عصرما قبل التاريخ إلى نهاية العصرالإهناسي
Nau'ikan
وقد شعر بجرمه غير أنه لم يكن يعلم الحقيقة إلا بعد وقوعها، ولا غرابة فإن كل البلاد لا بد قد ارتاعت من تخريب الأماكن المقدسة التي كانت تعد أقدس بقعة دينية في البلاد المصرية قاطبة، وقد انتهز «أنتف» هذه الفرصة للكيد لعدوه؛ إذ حمله مسئولية تخريب الأماكن المقدسة ونهبها على جنوده وأعوانه، مما أشعل نار الغضب في قلوب الرأي العام ضد «خيتي» مناهضه، ومن هذا العهد نجد أن «أنتف» أخذ يحمل لقب «حور» الفرعوني فسمى نفسه «حور واح عنخ أنتف عا»، وقد قام «أنتف العظيم» هذا بحملة نيلية في أسطول سار به شمالا مظهرا العصيان الصريح ضد فرعون البلاد، وكذلك لينتقم لنفسه وشرفه ودينه، ولكن محاولته هذه كان مآلها الفشل التام، وفي ذلك يقول أمير أسيوط: إن أول مرة حاربت فيها جنودي المقاطعات الجنوبية طاردوا فيها الأعداء إلى أقصى الحدود الجنوبية، وعندما وصلت إلى المدينة هزمت العدو وأقصيته حتى حصن باب الجنوب. وقد حاول قائد «أنتف العظيم» كرة أخرى أن يغير على بلاد الفرعون فكان نصيبه الفشل التام والهزيمة المنكرة، وقد قصت النقوش علينا ذلك نقلا عن أمير أسيوط عضد الفرعون الأعظم؛ إذ يقول: وقد جاء آخر كأنه الفهد المفترس بجيش ثان مؤلف من أحلافه، فخرجت لملاقاته ولم أتوان لحظة عن منازلته في سفني، وقد حاولت استخدام ريح الشمال وريح الجنوب وكذلك الريح الشرقية والريح الغربية حسب الأحوال الجوية، وقد انتهت هذه الحرب بأن غرق العدو وسفنه في النيل، وكانت جنوده تفر كالثيران عندما تهاجمها الحيوانات الوحشية رافعة ذيولها إلى الأمام. وتعد هذه الموقعة الأولى من نوعها في المواقع البحرية في التاريخ، ولا غرابة إذا كان أمير أسيوط يفخر بها، والواقع أن أهالي الصعيد كانوا في حاجة ماسة إلى رجل قوى الشكيمة ليصدهم ويكبح جماحهم ويذيقهم الذل والهوان، وقد قيض الله لهم «أنتف عا» (أنتف العظيم) في حينه، وقد كان من سوء طالع «تف إيب» وسيده فرعون إهناس أن أمير طيبة لم يخضع لهما حتى بعد أن هزم في الواقعتين السالفتين، بل سار بجيشه شمالا كرة أخرى، وفي هذه المرة يقص علينا «أنتف عا» ما حدث بنفسه؛ إذ يقول: لقد جعلت حدودها الشمالية (أي مملكته) حتى إطفيح، وقد رسوت بسفني عند الوادي المقدس واستوليت على كل مقاطعة «طينة» وفتحت معاقلها، وجعلتها باب الشمال لأملاكي بعد أن كان «تف إيب» قد اتخذ منها حصنا لباب الجنوب بالنسبة لأملاك فرعون إهناس.
أما «خيتي الثالث» فكان لا يزال يشعر بوخز ضميره، وكانت ترتعد فرائصه في قصره بإهناس كلما فكر في جرم انتهاك حرمة الأماكن المقدسة، وبخاصة إذا علمنا أنه كان رجل تقى وورع. ولقد ظهر أثر ذلك في تعاليمه لأبنه؛ إذ يقول: «إن الضربة تقابل بمثلها»، والواقع أنه ربما كان يظن أن «أنتف عا» قد قابل فعلة «خيتي» بمثلها واستفاد منها أيضا، وهذا ما يقرره الواقع؛ إذ نرى أن «خيتي» قد فقد سلطانه على بلاد «أنتف العظيم»، وفي الوقت نفسه كان يشعر بالآلام نسبة لما أحاق ب «طينة» و«العرابة» من التخريب والنهب، يضاف إلى ذلك أن هذه البقاع المقدسة أصبحت مغلقة في وجهة، وكان لزاما على كل مصري بعد موته أن يحج إلى تلك الأماكن المقدسة التي كانت تعد بمثابة طريق إلى الجنة في السماء، وقد أحزنه حرمانه ذلك ولكنه رضي الواقع، وعده عقابا من الإله على ما ارتكبه في حياته ضد هذه البقعة الطاهرة المقدسة، ومن المدهش أن الفرعون «حور واح عنخ أنتف عا» لم يتقدم في سيره في الغزو بعد استيلائه على «طينة» و«العرابة»، وربما يعزى ذلك إلى أنه كان من الرجال العظماء الذين لا يغالون في أطماعهم، ويعرفون متى يجب أن يقفوا عند حدودهم، وقد كان صمم على أن يمحو عن نفسه عار انتهاك حرمة الأماكن المقدسة حتى بعد أن هزم دفعتين، والآن وقد واتاه الحظ وانتصر على عدوه نصرا لم يكن يحلم به، فعقد معه صلحا وكف عن دفع الجزية التي كان يحملها سنويا للفرعون في إهناس، وسمح له أن يستخرج ما يلزمه من حجر الجرانيت من محاجر أسوان التي كانت ضمن المقاطعات التي تحت سلطانه، وقد رضي بذلك «خيتي الثالث»، ونصح لخلفه بأن لا يهاجم عدوا أقوى منه وأكثر بطشا وسلطانا، وقد أشار إلى ذلك مرات عدة في تعاليمه. إذ يقول: لا تخلقن أسباب عداء بينك وبين الأرض الجنوبية؛ لأنك تعلم ما تنبأ به مقر الملك من هذه الناحية، وقد يحدث ذلك كما حدث فعلا (أي هزيمة نفسه). كن لين الجانب معها لأن ذلك خير للمستقبل، كن على وئام مع الأرض الجنوبية وبذلك يأتي اليك القوم محملين الهدايا، وقد قفيت في ذلك أثر الأجداد، ورغم أنه ليس لديها ما تقدمه لك من القمح فإنه من الخير أن تبقى وأن يظهر أهلها لك الضعف والاستكانة، واقنع بما عندك من خبز وجعة، (أي لا تحرك هؤلاء القوم ضدك للشر بجعلهم يدفعون اليك الجزية) هذا إلى أن الجرانيت الأحمر يأتي إليك دون عائق، (أي يجب عليك أن تحمد الله على هذا لأنه في يدهم).
ومن المدهش أننا نرى أن هذا الفرعون المسن يشير في تعاليمه إلى عادة كانت فاشية في مصر في كل عصورها، وكانت تعد من أكبر الجرائم التي كان يقترفها الفراعنة والأفراد على السواء، وأعني بذلك أن يستولى على ما قام به الفراعنة وغيرهم من علية القوم من المباني والمخلفات التي كانت كمقابر أو معابد لهم دون مراعاة حرمة في ذلك، ولعمري لو كانت نصيحة الفرعون «خيتي» هذه قد أصغى إليها أخلافه لتغير وجه التاريخ المصري تغيرا عظيما من الوجهة «المعمارية» والتاريخية، فكم من مبان عظيمة اختفت نهائيا، وكم من وثائق تاريخية كانت منقوشة عليها ضاعت إلى الأبد، ولو وعى مثل هذه النصيحة «رعمسيس الثاني» ومن بعده «منفتاح» ابنه لعرفنا كثيرا من تاريخهما على الوجه الحق، فيقول: «خيتي»: «لا تعتدين على آثار غيرك، بل اقطع لنفسك أحجارا من طرة، ولا تشيدن قبرك من أنقاض غيرك.» ولكن «خيتي» كان رجلا عاقلا حنكته التجارب مفعم قلبه بالتقى، ولم يكن نداؤه هذا إلا صوت رجل ينادي في الصحراء ولم يعمل به أحد، فمضى الأمير والفرعون كل في طريقه يخرب وينهب معابد أسلافه ومقابرهم كلما دعت مصلحة إلى ذلك. بعد أن برأ «خيتي» نفسه أمام ربه من الذنوب التي ارتكبها في الوجه القبلي أخذ ينصح ابنه شارحا الحالة التي كانت عليها أجزاء البلاد الأخرى، والواقع أنه وإن كان قد أساء التصرف في الجنوب إلا أنه عزى نفسه بتحسين الأحوال في الدلتا؛ إذ يقول: لقد هدأت كل الجهات الغربية إلى حافة البحيرة، وكذلك ساد الأمن الجهة الشرقية من الدلتا، حيث كانت الأحوال قد ساءت فقسمتها مراكز ومدنا، وأصبحت السلطة التي كانت في يد حاكم واحد في أيدي عشرة (الظاهر أن أمراء الدلتا وأشرافها الذين كانوا يشعرون بقوة أكثر مما يجب قد أخضعوا)، فصاروا يقدمون الآن كل أنواع الضرائب، وأصبح الكهنة يملكون الحقول، والضرائب تجبى لك دفعة واحدة، ولن يحدث أن يأتي أعداء أشرار، ولن يأتي النيل منخفضا فتتأثر البلاد بسببه، وسيكون لك محصول بلاد الدلتا.
أما في شرق الدلتا فإن الفرعون المسن كان يشعر أنها آمنة مطمئنة بعض الشيء، وما ذلك إلا بفضل الميزات الخاصة التي كان يمتاز بها العرب الرحل، وكانت هذه الصفات سليقة في نفوسهم، وما زالت منذ القدم باقية فيهم لم يطرأ عليها أي تغيير إلى يومنا هذا؛ إذ يقول: «تأمل لقد وطدت سلطاني في الشرق فصارت الحدود من «هيتو» إلى ممر «حور» معمورة بالمدن الآهلة بالسكان من صفوة رجال البلاد وخيرتها وما ذلك إلا ليصدوا غارة الآسيويين ...» وقد ذكر هذا كذلك للأقوام المتبربرين: «إن الآسيوي الخاسئ أينما حل يتبعه الشقاء في الأرض التي يحل بها حيث الماء الآجن ولا يمكن المرور في أرضه بسبب كثرة أشجارها، وكذلك الطرق فإنها وعرة بسبب جبالها، وهو لا يسكن في مكان واحد، بل يرخي لساقيه العنان، ومنذ أقدم العصور فإنه يحارب ولكنه لا يهزم ولا يهزم ولا يعلن اليوم الذي سيشن الغارة فيه»، ولعمري ليس هناك وصف أدق لأهل البادية من وصف «خيتي» لهم في هذه الجمل الموجزة.
وقد هدأ «خيتي الثالث» في نصائحه روع ابنه «خيتي الرابع» من جهة قوة أهل البادية الضعيفة الأثر في إلحاق الضرر والأذى؛ إذ يقول: لا تتعبن نفسك من جهته؛ (البدوي)، فإنه لا ينهب إلا مسكنا منعزلا، وليس في مقدوره أن يستولي على مدينة آهلة بالسكان. ولقد كان الجنوب في الواقع هو مصدر الخطر الذي يهدد الفرعون المسن باستمرار؛ إذ كان يعتقد أن أية ثورة تقوم ضده في مصر الجنوبية ستقضي قضاء عاجلا على كل الأعمال العظيمة التي قام بها في الدلتا، اللهم إلا إذا اتخذ العدة في الدلتا نفسها، وقد كان فعلا بعيد النظر من هذه الوجهة؛ إذ أقام عدة مدن محصنة، الغرض منها كبح جماح أي إقليم يقوم بثورة أو عصيان. وقد كتب لابنه في نصائحه مشيرا إلى ذلك فيقول: إذا قامت بلادك من جهة الجنوب بثورة فإن ذلك يكون حافزا لقيام الأجانب في الشمال بحروب ضدك، فعليك إذن أن تقيم مدنا في الدلتا، ولا يكون اسم الرجل صغيرا بما فعله من جلائل الأعمال، والبلد الآهلة بالسكان لا تمس بسوء، فابن مدنا. والواقع أن «خيتي» كان يقدر حرج مركزه؛ إذ كان يقع بين شرين؛ أهالي الجنوب في الصعيد والبدو في الشمال، ولذلك اتبع سياسة حكيمة لم تتح لابنه فرصة اقتفائها من بعده.
ولا نزاع في أن أغرب شيء في تعاليم الفرعون «خيتي الثالث» هو نصائحه لابنه في كيفية إدارة سكان البلاد سياسيا؛ إذ يقول: أما من جهة الرجل الذي له أتباع عدة وينظر إليه عبيده وخدمه بعين الحب والمودة ويتكلم كثيرا فاقض عليه، واقتله ، وامح اسمه، واقتلع ذكراه وذكرى أتباعه الذين يحبونه؛ لأن الرجل المشاغب يكون دائما مصدرا للقلق بين سكان المدن، وهو الذي يخلق فريقين متنافرين بين الشباب، وإذا رأيت الشبان ينضمون إليه فما عليك إلا أن تذكر اسمه أمام رجال البلاط ثم اقض عليه؛ إذ هو في الواقع عدو أيضا.
ولا نزاع في أن هذه هي السياسة الحازمة في مثل هذه الأوقات المضطربة، ولكن بكل أسف لم يكن لدي «خيتي الرابع» الفرصة ليستفيد من هذه النصائح ويجربها في الحياة، وقد كان «خيتي» يرى أن يكون رجال الحكم ممن عندهم كرامة وعفة وطهارة ذيل ويعود فيقول ناصحا ابنه: اجعل مستشاريك عظماء حتى ينفذوا قوانينك؛ لأن الرجل الغني في بيته لا يتحيز في حكمه، وذلك لأنه مثر فلا يحتاج إلى شيء، ولكن الرجل الفقير لا ينطق بالحق، والحاكم الذي يقول ليت لي، لا يكون عادلا؛ إذ ينحاز إلى من يغريه بالمال، وعظيم الرجل العظيم الذي يكون مستشاروه عظماء، وقوي ذلك الفرعون الذي له محكمة «من الطراز الصحيح». تكلم الصدق في بيتك حتى يخافك الأشراف الذين يتسلطون على البلاد، والسيد الذي له قلب سليم تصلح أحواله، وما في داخل البيت هو الذي يوحي بالرهبة في خارجه.
وكذلك نلاحظ في هذه التعاليم أن «خيتي» يرى الإله موجودا في كل أمور الناس، وقد اتخذ ذلك أساسا لاعتداله في الحياة فيقول: احذر أن تعاقب إنسانا خطأ، ولا تقتلن أحدا؛ فإن ذلك لا يجديك نفعا، وعاقب بالضرب والسجن (من لا يمكن إصلاحه) والإله يعرف الشقي وينتقم منه بأشد العقاب (على ذلك فالعقاب المحتم يمكن تركه لله) والإله يقول: إني أنا المنتقم، وسأعاقب كلا بذنبه، وعلى الإنسان أن يعمل كل ما يريد، على ألا ينس الحساب الأخير عندما يشرف «تحوت» إله الحكمة على المحاكمة، والقضاة الذين يقتصون للمظلوم يوم القيامة فإنك تعلم بأنهم ليسوا متهاونين في ذلك اليوم الذي يقضون فيه للتعس، وبخاصة عند ساعة النطق بالحكم، وكم تكون الطامة كبرى إذا كان المتهم هو الواحد الحكيم، ولا تعتمد على أنك ستعمر سنين عدة، فإنهم ينظرون إلى مدى حياة الإنسان كأنه ساعة زمن، ويعيش الإنسان بعد الموت وتكون أعماله بجانبه مكدسة، وسيبقى هناك أبد الآبدين، وإنه لأحمق من يستخف بهم (قضاة قاعة العدل). أما الإنسان الذي يدخل عليهم دون أن يرتكب خطيئة فإنه سيبقى هناك كإله، ويتقدم أمامهم بخطى ثابتة إلى الأمام كإله الأبدية . هذه هي تعاليم الفرعون «مري كا رع خيتي»، وتعد من أعظم الذخائر العلمية التي عثر عليها، وبخاصة فإنها تلقي ضوءا على مستوى الفكر الإنساني في هذا العصر وعن الفكرة التي كان ينظر بها الفرعون في طريق حكم البلاد، ومن المحتمل أن قارئ هذه التعاليم ربما يحكم على «خيتي الثالث» بأنه كان فرعونا مذنبا أمام الله لانتهاكه حرمة «طينة» المقدسة، وذلك أراد أن يكفر عن سيئاته بالتوبة والغفران. على أنه في الواقع لم يمتز عن باقي فراعنة مصر الذين سبقوه في شيء من الأمور الدنيوية، ولكنه كان رجلا يمتاز بأخلاقه الدينية وصلاحه، ورغم كل ذلك فإن الصورة التي رسمها لنا تعد من أحسن الصور التي تصور لنا فرعونا، وليس لدينا ما يفوقها إلى الآن في مخلفات المصريين، وحقا إنها رغم نقائص مؤلفها الظاهرة تشعرنا بعد قراءتها بأننا قربنا من فهم صورة الفرعون الإنسان، لا الآلة الحكومية.
ومما يؤسف له جد الأسف أن ابنه «خيتي الرابع» لم يستفد من نصائح والده وتجاربه ولم يكن ذلك عن ضعف منه، بل لأن مركز إهناس كان مزعزعا رغم مؤآمرة أمراء أسيوط لها، وكل ما لدينا من الوثائق التاريخية عن آخر فرعون في الأسرة التاسعة وصل إلينا من نقوش «خيتي الثاني» ابن «تف إيب» أمير أسيوط. وقد قفا هذا الأمير خطوات والده، واستمر يعضد عرش إهناس الذي كان في حاجة لكل مساعدة، ولا نعلم كيف بدأ هذا النزاع بالضبط من نقوش «خيتي»، والظاهر أن القلاقل التي قامت، كانت قد بدأت في عاصمة البلاد نفسها أي في إهناس، ثم تخطتها إلى الجهات الأخرى، غير أن أمير أسيوط بقي في خلال ذلك على ولائه لمليكه، وسار بجيشه وأسطوله النيلي فقوي عرش البلاد الذي كان آيلا للتداعي، وكان أول عمل قام به أن أخضع الثورة التي كانت في إهناس نفسها، وبعد ذلك سار الفرعون وأمير أسيوط نحو الجنوب بجيشهما حتى الحدود، والظاهر أنهما هدآ الأحوال هناك مؤقتا، ثم عاد الفرعون المنتصر وحليفه أمير أسيوط إلى الشمال، وقد كان أسطولهما العظيم يغطي النيل مسافة عدة أميال كما يرويه أمير أسيوط. إذ يقول: لقد أدبت مصر الوسطى وذلك طلبا لمرضاة «الفرعون»، وأصبحت كل البلاد تدين له «كما دان له» أمراء مصر الوسطى وعظماء إهناس وإقليم سيدة الأرض (الإلهة المحلية) وهم الذين جاءوا ليكبحوا جماح المسيء، وقد كانت الأرض في ذعر واستولى الخوف على مصر الوسطى، وكان كل الأهلين في وجل والقرى في فزع، وتسرب الخوف إلى أعضائهم، أما موظفو العرش فكانوا فريسة للخوف، والمقربون ضحية للذعر في إهناس؛ (أي إن العصيان كان بين كبار رجال البلاط)، وكانت البلاد تحترق بلهيبها ... ولم يحدث أن مقدمة الأسطول وصلت إلى «شطب» على حين أن مؤخرته كانت لا تزال في (؟) ولقد نزلوا بالماء ورسوا في إهناس، وجاءت المدينة فرحة مستبشرة بسيدها وابن سيدها، واختلط الرجال بالنساء والشيوخ بالأطفال.
وقد كان هذا البصيص من النجاح آخر ضوء سطع على أسرة إهناس الفرعونية، ثم تلته فترة هدوء وسكينة وطمأنينة كأنها برق خلب قام في خلالها ولاة الأمور ببعض أعمال عامة في البلاد، ففي مدينة أسيوط أقيم معبد للإله «وبوات» الإله المحلي للمقاطعة؛ معناه «فاتح الطريق أو دليل الموتى» أما الفرعون فإنه شيد هرما له بسقارة وصنع لنفسه تمثالا، ومن المحتمل أن أمير أسيوط قد مات في خلال تلك الفترة دون أن يرى نذير الشر الذي كان يقترب من البلاد؛ إذ إن ختام نقوشه يدلنا على الثراء والخير والفلاح الذي كانت تنعم البلاد فيه فيقول: إن إله مدينتك يحبك، أنت يا «خيتي تف إيب» ... ما أسعد ما حدث في وقتك، والمدينة راضية عنك، وما كان قد أخفي عن الناس فإنك قد فعلته علنا حتى يقدم هدايا لمدينة أسيوط حسب رأيك فقط، وكان كل موظف قائما في عمله، فلم يكن هناك من يحارب أو من يفوق سهما. ولم يهن الطفل على مرأى من والدته، ولا المدني على مرأى من زوجه، ولم يكن هناك مسيء في ... ولا إنسان يرتكب أي عنف في بيته، وإله مدينتك هو والدك الذي يحبك ويرشدك . وفي خلال هذه المدة توفي «أنتف العظيم» وخلفه اثنان من الأمراء حكم كل منهما مدة قصيرة حدث في خلالها بعض قلاقل واضطرابات. ثم خلفهما فرعون يدعى «منتوحتب الثاني»، وقد جاء في نقوش له عثر عليها في «الجبلين» أنه قبض على أمراء الأرضين، وأنه المسيطر على الجنوب والشمال وعلى الأرض المرتفعة وعلى القطرين وعلى قبائل البدو التسع وعلى الأرضين، ومن ذلك نعلم أن المصيبة التي حاقت بفراعنة بيت إهناس الذين حكموا مصر في عهد الأسرتين التاسعة والعاشرة لا بد أنها حدثت في المدة التي ظهر فيها «منتوحتب الثاني» فرعونا على عرش مصر في طيبة.
Shafi da ba'a sani ba