وقد كان كعب ووهب من المغربين في طلب النوادر، فلم يذكرا لنا زمنا شهداه، أو شهده آباؤهم وأجداهم كانت فيه لغة قريش مجهولة في اليمن ومن جاورها. وأدنى من ذلك إلى عصر البعثة قدوم الوفود من اليمن إلى الحجاز، وذهاب الولاة من الحجاز إلى اليمن بإذن النبي - عليه السلام - ومنهم معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب ومن كان يصحبهما في عمل الولاية والتعليم، فلم نسمع أن وفود اليمن على النبي جهلوا ما سمعوه، أو نطقوا بكلام لا يفهمه أهل الحجاز، وهؤلاء قد لقنوا لغاتهم من آبائهم، فلا يفوتهم ما اختلف من كلامهم إذا كان ثمة اختلاف.
وأقدم من البعثة المحمدية رحلة الصيف ورحلة الشتاء، وليس في أخبار هذه الرحلات إلماع إلى تفاهم قريش مع أهل اليمن بلغة غير اللغة القرشية في الجيل السابق للبعثة والجيل الذي تقدمه، ومن البعيد جدا أن يغيب عن ذاكرة العربي حديث جيلين قبل جيله وقد كانت أخبارهم ورواياتهم وأنسابهم وأمثالهم كلها قائمة على الحفظ، وتسلسل الرواية، والإسناد من جيل إلى جيل. فإذا كانت لغة الحجاز شائعة عامة على مدى الذاكرة في عصر البعثة المحمدية، فلا أقل من ثلاثة أجيال تقدر لهذا الشيوع وهذا التعميم، وترجع بنا هذه الأجيال إلى أقدم الأوقات التي أسند إليها نظم المعلقات، فلا نستغرب نظمها باللغة التي يفهمها العرب من الجنوب إلى الشمال.
ولقد سمع النبي - عليه السلام - قصيدة كعب بن زهير، وقد نظمها - ولا شك - بلغة أبيه زهير بن أبي سلمى، وكان زهير من أسرة شاعرة مسبوقا إلى النظم بتلك اللغة، ولا يعقل أن يكون التغير في لغة النظم قد طرأ عليهم فجأة في مدى سنوات معدودات، فإذا بلغنا بالمعلقات عصر هرم بن سنان - ممدوح زهير - وما تقدمه بقليل، فليس من شعراء المعلقات من هو أقدم من ذلك بزمن طويل يمتنع فيه التوافق على النظم الواحد واللغة الواحدة.
ولا بد أن نذكر هنا أن أوزان العروض لا تخلق بين يوم وليلة، وأن وزن قصيدة كعب ووزن قصيدة أبيه قد وجدا قبل عصر الشاعرين، ونظمت فيهما قصائد جيل أو جيلين على الأقل قبل ذلك التاريخ، ولو أن هذه الأوزان وسعت شعرا غير شعر اللغة الحجازية لما غاب خبره ولو غاب لفظه ومعناه.
ومن عسف القول - ولا ريب - أن نجزم بامتناع هجرة اليمانية إلى ما وراء حدود اليمن في الجزيرة العربية، فإذا جاز أن تهاجر منهم قبيلة واحدة، فحكم القبيلة في مسألة اللغة كحكم القبائل العشر أو العشرين. ولمن شاء أن ينكر نسبة البكريين أو التغلبيين أو الغساسنة إلى اليمن مستندا إلى الدليل، أو غير مستند إلى دليل على الإطلاق، ولكنه لا يستطيع أن ينكر نسبتهم إلى اليمن، وينكر نسبة اللغة العدنانية إليهم في وقت واحد؛ فإنه بذلك ينكر نسبتهم إلى كل أصل معروف في الجزيرة العربية، ولا يأتي لهم بأصل غير تلك الأصول.
وإن من ينكر انتقال قوم من اليمن إلى ما وراءها لينكر أمرا غير قابل للإنكار في الجزيرة العربية، التي لم يثبت فيها تاريخ أثبت من تواريخ الرحلات على تباعد الأزمنة، وتبدل العوارض الجوية وطوارئ الخصب والجدب، والغلبة والهزيمة. وما من باحث ذي روية يعتسف البت بذلك الإنكار، ثم يجزم بحصر اليمانية في حدودهم منذ أحاطت بهم تلك الحدود؛ فمن العسف أن يقال: إن اليمانية لم تبرح اليمن قط في العصور التي سبقت البعثة المحمدية.
وليس من العسف في شيء أن يقال: إنها برحتها على حسب الطوارئ وعوامل الجو والتاريخ، ولا داعية بعد ذلك لاستغراب التوافق بين اليمانية وأبناء الحجاز وتهامة وسائر الجزيرة في لهجة من اللهجات. فما دمنا نقدر بحكم البداهة أن اليمانية وجدوا في الجزيرة العربية وراء حدودهم، وتكلموا كما يتكلم المقيمون في جوارهم، فقد زالت المشكلة، ولم تكن هنالك في الحقيقة مشكلة تزال.
وليس أكثر من العسف الذي يلجأ إليه منكرو الوحدة في لغة الجزيرة قبل البعثة المحمدية بجيلين أو ثلاثة أجيال، وإن اعتساف التاريخ هنا لأهون في رأينا من اعتساف الفروض الأدبية التي لا تقبل التصديق، فما من قارئ للأدب يسيغ القول بوجود طائفة من الرواة يلفقون أشعار الجاهلية كما وصلت إلينا، ويفلحون في ذلك التلفيق؛ إذ معنى ذلك «أولا»: أن هؤلاء الرواة قد بلغوا من الشاعرية ذروتها، التي بلغها امرؤ القيس والنابغة وطرفة وعنترة وزهير وغيرهم من فحول الشعر في الجاهلية.
ومعنى ذلك «ثانيا»: أنهم مقتدرون على توزيع الأساليب على حسب الأمزجة والأعمار والملكات الأدبية، فينظمون بمزاج الشاب طرفة، ومزاج الشيخ زهير، ومزاج العربيد الغزل امرئ القيس، ومزاج الفارس المقدام عنترة بن شداد، ويتحرون لكل واحد «مناسباته» النفسية والتاريخية، ويجمعون له القصائد على نمط واحد في الديوان الذي ينسب إليه.
ومعنى ذلك «ثالثا»: أن هذه القدرة توجد عند الرواة ولا توجد عند أحد من الشعراء، ثم يفرط الرواة في سمعتها وهم على هذا العلم بقيمة الشعر الأصيل. وما من ناقد يسيغ هذا الفرض ببرهان، فضلا عن إساغته بغير برهان ولغير سبب، إلا أن يتوهم ويعزز التوهم بالتخمين. وإن تصديق النقائض الجاهلية جميعا لأهون من تصديق هذه النقيضة التي يضيق بها الحس، ويضيق بها الخيال.
Shafi da ba'a sani ba