Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
قلت: ويشبه هذا ما حكى محمد بن أسعد الجنبي من جنب جهران وذمار، وكان من الجند، ثم تاب وتاب معه ولده، وكانا على طريقة الفقه والتعبد لكنهما لبسا ثوب التطريف، وكان محمد بن أسعد متوسعا في العبادة، ثم سكن شظب مهاجرا، ثم اعتزل الناس، وسكن بأهله في جانب بعيد على مزدرع ليبعد عن العصاة، وكان له مولى حبشي يقال له فرج قد صحب من أعلام الزيدية بشرا، وأخذ عنهم في أصوله وفقهه، وتخلق بأخلاق العبادة والفضل، وكان ببلاد شظب مزين قد صحب فرجا - المذكور - وانتفع به، وكان المزين يدخل السوق ليعمل شيئا ينتفع به، فمر به أبو العمر اللحجي شيخ المطرفية، فوقعت عين أبي العمر على رجل من عباد الأباضية ومجتهديهم قد نهكته العبادة، فصار أسود كأنه خشبة محرقة، وهو يتمشى في السوق برفق، وقد رفع أطراف ثيابه لئلا يصبها شيء يكرهه، وتواضع وتخشع فقال أبو الغمر: وكان يومئذ شابا حدثا ينخدع لمثل هذا المزين، وكان شديد البغضة للخوارج والمجبرة والمشبهة، فيقطع عليهم بالنار، ويتبرأ منهم، ويتهلل بالدعاء عليهم، وكان اسمه سليمان بن صبيح، فقال له أبو الغمر: يا سليمان، أنا أوافقك في ضلال الإباضية إلا هذا الشيخ العفيف الخاشع لله، أما ترى ما هو عليه من الصورة وأنت تزعم أنه هالك، فقال سليمان: ويحك، أرأيت إن كان يقول بالجبر وينسب إلى الله أفعال خلقه، ويعتقد منه خلق الفساد في الأرض ماذا ترى؟ قلت: أرى أنه هالك إذا كان هذا منه، فقال: أدركه، ثم اسأله عن ذلك، فأدركه أبو الغمر وكان الرجل من بطن من (الحائريين) بينهم وبين أبي العمر رحم، فرفق به وقال: يا خال، ما تقول في الكفر والإيمان، من خلقهما؟ فقال: الله يا بني، فأكد عليه أبو العمر حتى تيقن دخيلته، وعاد إلى المزين فأوسع المزين في سبه، وكان هناك عبد زنجي يعرف بالحمامي لم يفصح كما ينبغي، يقول(1) في ناحية السوق غير مستر(2) بين الخمارين، ويعصر لهم الخمر، ويكسح لهم الدور وبيوت الماء، يعيش في أخبث مهنة يكون ولا يكاد يلقى إلا سكران أو حامل نجاسة، وعلى أقبح صورة في الدين والدنيا، فقال المزين حالفا بالله العظيم: إن الزنجي أقرب إلى الله من هذا الأباضي وأهون عذابا في النار منه، الذي قد أعجبتك هيئته وخشوعه، ثم التفت المزين إلى الحمامي فرفع بصره عليه سريعا فدعاه فقال: يا حمامي، أخبرني من حملك على ما أنت عليه من شرب الخمر، وقطع الصلاة، والتمرغ في النجاسات والأوساخ وحمل الأقذار، أنت أم الله تعالى، فكأنه ارتاع ثم رفع صوته هاشي أنبيلا هاشي أنبيلا، يكررها ويرددها، ومعناها: حاش لله حاش لله، وأنبيلا عندهم: اسم الرب سبحانه، ثم التفت، فقال: يا سليمان، هملتني نفسي، هملتني نفسي، همامي كيبة همامي كيبة ، معناه: حملتني نفسي، حملتني نفسي، حمامي خيبة، وخيبة بمعنى خبيث يستعمله العامة.
محفوظ [ - ]
/209/ محفوظ، هو شيخ الزيدية، رحل إليه الطبري - رحمه الله - لسعة كتبه، فإنه كان وأهل بيته من أهل الرئاسة، وكان أكثر ذخرهم الكتب الإسلامية، كتب آل محمد أصولا وفروعا، ومحفوظ المذكور جد آل محفوظ علماء ريدة من أعمال البون، واتفق أن الطبري - رحمه الله - أيام إقامته عندهم اشتهى اللحم، فأخذ درهمين وشرى بهما لحما من السوق، وكان محفوظ لا يرى ذلك ولا يفعله، فقالت له امرأته: أنت لا تأكل لحم السوق، وهذا الطبري أكل منه، أنت(1) أعلم أم هو؟ فقال: بل هو، لكني أورع، فلفضل القوم معا ذكر ذلك محفوظ لأبي الحسين الطبري، فقال: صدقت يا بني، ودليل ذلك قول الله سبحانه: ?إنما يخشى الله من عباده العلماء? (فاطر:28).
أحمد بن موسى النجار [ - ] الفقيه المكين العالم الأفضل تقي الدين أحمد بن موسى النجار الصعدي - رحمه
Shafi 379