وقد درنا مع دليل الفندق في حي العزيزية، فوصلنا باب الفرج وفيه برج بأعلاه ساعة، ثم دخلنا البلد من باب أنطاكية، وهو عال وواسع وقديم عهده، صنع من الخشب ولبس بالحديد والمسامير، مثل باب قلعة مصر، دخلنا منه على سوق الزرب، وهي سوق طويلة يؤمها الأهالي، ويتفرع منها عدة أسواق، حيث يأتي العرب والفلاحون؛ لبيع الحاصلات ومشترى اللوازم. وفي هذه الأسواق الوكالات أو الخانات المشهورة، مثل خان النحاسين وخان الجمرك وخان العلبية وخان الوزير، وهو ذو بوابة شاهقة من الرخام الأزرق قديمة العهد يتفرج عليها سياح الإفرنج كثيرا، وخان الصابون وفيه البنك العثماني. وقد مررنا بجامع زخريا، وهو أكبر جوامع حلب، وخرجنا من باب النصر فعدنا إلى الفندق.
وفي هذا النهار ذهبنا إلى حارة الصليبة، ورأينا كنيسة الموارنة وهي أكبر كنائس حلب، فكنيسة الروم الكاثوليك، فكنيسة الروم الأرثوذكس، وهي قائمة على أربعة أعمدة من الرخام الأصفر، كل عمود منها حجر واحد. وزرنا سراي الحكومة حيث قابلنا دولة ناظم باشا الوالي صاحب الأيادي البيضاء . والسراي قديمة مثل كثير في حلب، ولكن التحسن منتظر بعد أن اتصلت حلب بغيرها من المدن بواسطة سكة الحديد، والبناء الآن قائم فيها على قدم وساق. وقضيت السهرة في موضع طرب (أو نوبة) كما يقول الحلبيون، وهم يقعدون حول المغني يدخنون الشيشة أو يشربون القهوة والسوس، ولا يضجون ولا يقطعون الغناء على المغني في أثناء تلحينه كما يفعل عامة المصريين، ولكنهم يبدون آيات الاستحسان بعد كل دور.
وقد ذهبنا إلى كروم الفستق المشهورة، وهي التي تميز حلب عن غيرها؛ لأن الفستق لا ينمو إلا فيها، وهي - أي الكروم - في خارج البلد مسيرة ساعة بالعربات عنها في طريق يمكن الوصول منها إلى بغداد. وهذه الكروم من مثابات الأهالي في أيام موسمها، وهي جميلة المنظر تتدلى عناقيد الفستق الحمراء من أشجارها الكبيرة كأنما هي العنب، وموسم الفستق هنا كبير يستحق الاعتبار. ثم عدنا إلى الفندق بطريق جنينة الجانكية، وهي من مثابات المتنزهين في هذا البلد الجميل.
ولا بد لي قبل نهاية الكلام عن حلب أن أذكر شيئا عن قلعتها القديمة بناها سلوقس الذي بنى هذه المدينة فوق تل يشرف على المدينة، وزاد كسرى في منعتها وبنائها، ويظهر من تاريخ حلب أن قلعتها كانت عقدة الفاتحين وشاغل القواد الهاجمين فيما مر من العصور، وقد اشتغل بها كثير من أمراء العرب وسلاطينهم، مثل سيف الدولة وصلاح الدين وغيرهما، ومع كل ما مر عليها، فإن أسوارها باقية على أصلها تقريبا إلى الآن.
هذا وإني رجعت من حلب بسكة الحديد التي ذكرتها إلى مصيف صوفر في جبل لبنان، وذهبت منها يوما إلى بيت الدين عاصمة الجبل، ونزلنا فيها ضيوفا على سيادة المفضال المطران بولس بصبوص رئيس أساقفة صور وصيدا للطائفة المارونية، ومنزله من القصور التي بناها الأمير بشير المشهور، وذهبنا في الغد إلى ديوان الحكومة اللبنانية، حيث قابلنا دولة المتصرف، ورأينا منه لطفا وإكراما، ودرنا مع أحد حجابه نتفرج على السراي وما فيها من الفسيفساء القديمة. ثم ذهبنا إلى دير القمر، وهي على مسيرة نصف ساعة ، ودخلنا السراي القديمة فيها حيث حصلت مجزرة سنة 1860 وغيرها من الحوادث المشهورة في تاريخ هذه البلاد، ثم رجعنا إلى صوفر حيث قضينا بقية الصيف، وعدنا إلى مصر، والحمد لله في كل حال.
بلاد اليونان
خلاصة تاريخية
إن تاريخ الروم هو بدء تاريخ أوروبا القديم، وتقدم هذه الأمة وعزها الغابر مما تضرب به الأمثال بين الناس، ونوابغ اليونان القدماء وعظماؤهم معروفة أسماؤهم في كل مكان، فليس يمكن التوسع في ذكر تاريخهم القديم هنا؛ لأنه يمتد إلى أكثر من 1800 سنة قبل المسيح، وغاية ما يمكن أن يقال في هذه الخلاصة الموجزة أن مملكة الفرس لما أغارت على سوريا ومصر وآسيا الصغرى استولت أيضا على جزء من هذه البلاد، ولكن الأروام قاوموا جيوش فارس، فسير عليهم ملكها داريوس جيشا، وأرسل أسطولا ينقل الجنود عن طريق خليج ماراثون، حيث نزلت العساكر وتقدمت على السهل المعروف بهذا الاسم، وهو قريب من مدينة أثينا التي كانت يومئذ مثل بقية مدن اليونان دولة مستقلة بنفسها منافسة لإسبرطة وكورنثوس وغيرهما من المدن اليونانية، فأرسلت أثينا عشرة آلاف مقاتل لمحاربة جيش داريوس تحت قيادة ملتيادس، فظن الفرس حين رأوا هذا الجيش الصغير أن الروم قوم مجانين، ولكنهم حاربوا متفانين دفاعا عن وطنهم، فكانت النتيجة أن الفرس هزموا بعد أن قتل خلق كثير منهم، وهربوا إلى سفنهم فعادت السفن بهم إلى آسيا الصغرى. واستمرت الحروب متواصلة تقريبا بعد هذه الحادثة إلى ما بعد وفاة داريوس حتى إن خلفه زركسيس استعد لحرب هائلة، وجند لها أكبر جيش سمع به في تاريخ الأقدمين. وقد بالغ مؤرخو اليونان في وصفه، حتى قالوا إنه بلغ الملايين، جمعوا من كل أقطار آسيا التي استولت عليها دولة الفرس في ذلك الزمان، وقد ركب هذا الجيش العرمرم في 4200 مركب وتقدم على بلاد الروم، وكانت البلاد قد استعدت للدفاع، ولكن دفاعها لم ينفع فتيلا؛ لأن الفرس دخلوا أثينا وأحرقوها وهدموا تماثيلها ومعابدها، ولكن الأروام انتصروا في عدة جهات أخرى برا وبحرا حتى اضطر زركسيس أن يعود إلى بلاده بعد أن ترك قائدا ومعه 300000 محارب لإنجاز الحرب، ثم تواردت نجدات الروم من سبارتا وغيرها حتى بلغت 110000 مقاتل، وذلك في سنة 480 قبل المسيح، وظهر القوم على الفرس وطردوهم من بلادهم، ومن ذلك الحين بدأ تقدم اليونان وبلغوا أوج مجدهم القديم.
وفي سنة 336 قبل المسيح قام إسكندر ذو القرنين ملك مكدونيا، وورث عن أبيه فيليب رئاسة دول اليونان كلها، وحارب بعض الخصوم في جوار مملكته، ففاز عليهم ثم تقدم بجيش أكثره من الروم وعدده 40 ألف مقاتل لمحاربة دولة الفرس، وهي يومئذ مملكة ضخمة وغنية، ولكنها كانت على غاية الضعف وسوء التدبير. وكان الإسكندر أقدر أهل زمانه على القيادة، ففاز على الفرس، وضم كل الأقطار الخاضعة لهم إلى مملكته، وملك بلاد اليونان بعد الإسكندر أحد قواده فبقيت البلاد له ولنسله حتى أغار عليها الرومانيون وضموها إلى سلطنتهم، ثم صارت جزءا من مملكة القسطنطينية وبقيت كذلك فلم يقو العرب على فتحها حتى قامت دولة آل عثمان، وتقدم السلطان عثمان ابن السلطان أورخان على تلك البلاد من تساليا وعين فيها حكاما من القواصة استبدوا بالناس وجاروا جورا لا مثيل له في التاريخ، كانوا يأخذون أولاد الروم وبناتهم أرقاء للخدمة في منازل الحاكمين، وقد عزم أحدهم مرة على إبادة الأروام جميعا حتى لا يبقى مسيحي في الديار، ولكنه ذكره بعضهم أنه إذا فعل ذلك لم يبق النجار والفران والخادم والخادمة وصانع الأحذية، ولا من يحرث الأراضي ويقدم خيراتها للحاكمين فعدل عن رأيه. وقد دامت هذه الحالة إلى سنة 1821 حين وقف جرمانوس مطران بتراس في الكنيسة من بعد القداس في يوم عيد البشارة، وفاه بخطبة مؤثرة محزنة، ختمها بالقول إنه لا بد للخلاص من الذل إما بالموت أو بالاستقلال. وقد جعل الأروام عيد البشارة عيد الاستقلال والحرية، يقيمون فيه الصلاة ويفرحون في كل سنة كالفرنسويين في يوم عيد حريتهم 14 يوليو. ولما علم بالثورة إسكندر أبسلانتي - وهو ضابط روسي، أصله من بلاد الأروام - دخل بلاد الدولة يحرض الأروام فيها على العصيان، ولكنه ضبط ووضع بالسجن فمات فيه . ثم ذهب أخوه دمتريوس أبسلانتي إلى بلاد اليونان يحارب معهم مدة الحرب كلها، فلما دخلت سنة 1823 كانت الحرب سجالا والمعارك بين الأروام والأتراك دائمة برا وبحرا، فإن الروم بنوا سفنا، واستلم قيادتها رجل جسور اسمه كنارس، وآخر اسمه مايوليس كان لهما اليد الطولي في الانتصار على المراكب العثمانية، حتى إن السلطان العثماني دعا محمد علي والي مصر؛ ليساعده على إخماد ثورة الروم، فقام إبراهيم باشا من مصر في سنة 1825 ومعه العساكر والمدافع أنزلها في السفن، وكان يفتح البلاد ويصلي العصاة نارا حامية، ولكنه لم يقدر على فتح بلدة ميسولوغي؛ فإنها حاصرت من شهر أبريل سنة 1825 إلى شهر أبريل سنة 1826، وقد اكتسبت هذه البلدة شهرة ما زالت ترن في آذان الأروام إلى هذا اليوم؛ لأنها وقفت في وجه إبراهيم باشا عاما كاملا، ومما زادها شهرة أن النساء والبنات كانت تحارب مع الرجال، فشبان اليوم يفخرون إذا اقترنوا بابنة ميسولوغية كأنها من بنات الملوك، وكان المحرك للأروام على استقلالهم اللورد بيرون الشاعر الإنكليزي المشهور ؛ لأنه تطوع لمساعدتهم في استقلالهم، مثل اللورد كوكران الذي استلم قيادة السفن، والسير شرش استلم قيادة الجنود البرية، وتطوع غير هؤلاء رجال من روسيا وجرمانيا وفرنسا، ولكن مساعدتهم لم تثمر؛ لأن عساكر الدولة دخلت أثينا في اليوم الثاني من شهر جونيو سنة 1827. وفي هذه السنة حصل حادث كان من حظ الأروام، هو أن السفن الإنكليزية والفرنسوية والروسية كانت تروح وتغدو في المواني منعا للتعدي والقسوة على أهالي البلاد، فلما أتى فصل الشتاء رأت أن تلتجئ من العواصف وتقيم في خليج نافارين، حيث اجتمعت المراكب العثمانية والمصرية، فلما رأى العثمانيون هذه السفن الأجنبية توهموا أنها تريد لهم شرا، فرموها بمدافعهم وانتشب القتال بين الطرفين، وكانت النتيجة أن المراكب العثمانية، وخصوصا المصرية وعدد هذه 63 قطعة حربية دمرت عن آخرها. وفي سنة 1828 عين كابوديستريا من عمال سياسة روسيا الكبار وأصله رومي، رئيسا لهيئة الحكومة اليونانية الجديدة لمدة سبع سنين، وكان الرجل ميالا إلى الحكم المطلق المألوف في روسيا، فلم ترق للأروام أساليبه في الحكم بعد استقلالهم؛ ولذلك قام بعضهم عليه وقتلوه رميا بالرصاص في سنة 1831، وانتخب الشعب بعد هذا البرنس أوتو البافاري ملكا، وذلك في سنة 1832، فاعترفت دول أوروبا بانتخابه، وبدأت المملكة اليونانية الجديدة بشكلها الحالي من ذلك العام.
جورج ملك اليونان.
Shafi da ba'a sani ba