ولكنهما لم يتحدثا عن ذلك أبدا. وخاض أبي تلك المعركة ضد نفسه دون أن ينطق بكلمة واحدة؛ لم يحاول أن يقدم تفسيرا، كما لم يقدم على أي محاولة للهروب، إلا عندما توجه في رحلة حج إلى مدينة لورد بفرنسا.
كان ذلك في عام 1998 بصحبة ماريا، أخته الكبرى التي يناديها الجميع ميلي، وإيريش، أصغر إخوته الذين هم على قيد الحياة، وفالتراود، زوجة أخيه. أبي - الذي لم يسافر مع زوجته وأولاده في عطلة أبدا؛ لأنه رأى العالم في أثناء الحرب كما يدعي - يخرج الآن في رحلة طويلة نسبيا وبداخله بصيص من الأمل في الحصول على الرحمة.
هناك يقف المرء ويبتسم ابتسامة جوفاء، ويصلي بالنهار كما يصلي بالليل، وكأن صلوات الليل ليست ذات تأثير كاف.
ويحكى أن ميلي التي كانت تعاني وقتها من مشكلات في قدميها قالت له: «يمكنك أن تسير نيابة عني وأنا أفكر نيابة عنك.» •••
أصعب الأمور هي تلك التي لا نفهمها؛ ولذلك فقد تحسن الوضع عندما زادت العلامات التي تشير إلى أن أبي يعاني مما هو أكثر من النسيان وفقدان الدافعية؛ فقد أصبحت الأمور اليومية الاعتيادية تمثل له مشاكل مستعصية على الحل، ولم يعد ممكنا تبرير ذلك بأنه شارد الذهن وحسب؛ لم يعد خداع النفس ممكنا. في الصباح كان يرتدي نصف ملابسه بالمقلوب، أو يرتدي أربعة أردية بعضها فوق بعض، وفي المساء يضع البيتزا المجمدة بعلبتها في الفرن، أما جواربه فكان يضعها في البراد. ومع أننا أدركنا حجم المأساة شيئا فشيئا، فإننا أدركنا في لحظة ما أن أبانا لا يعاني حالة من الكسل، بل يعاني مرض ألزهايمر.
لسنوات عديدة لم يخطر ذلك ببالي؛ فقد كانت صورة أبي التي رسمتها له في مخيلتي تقف في طريق تصديق حدوث شيء كهذا. حتى وإن بدا الأمر غريبا، فأنا لم أظن أبدا أن أبي سيفعل شيئا مثل ذلك! •••
خفف استبصار حقيقة الأمر الوضع علينا جميعا؛ فقد أصبح للفوضى التي عانيناها في الأعوام الماضية مبرر يمكننا تقبله، ولم نعد نشعر بأننا محطمون كما كنا. ولكن الإحساس بأننا قد أضعنا كل هذا الوقت الطويل نصارع شبحا كان إحساسا مريرا؛ فقد كان أحرى بنا ألف مرة أن نستغله بصورة نافعة، ولو كنا أكثر ذكاء وانتباها واهتماما لوفرنا على أبينا، بل وعلينا أيضا، كثيرا من المشقة، ولكنا اعتنينا به بصورة أفضل وطرحنا بعض الأسئلة المهمة في وقت مبكر. •••
مثلت بدايات المرض فترة عصيبة وفشلا ذريعا لنا؛ إذ كانت فترة الخسائر الكبرى.
فكان من ضحاياها ذكريات حياة أبي، وبعض الأشياء الملموسة التي كانت لها أهمية في حياته؛ فقد اختفت دراجة أبي ذات الثلاث سرعات والمقود المعوج والمقعد الجلدي، التي كانت لديه منذ الخمسينيات. على مدار عقود طويلة حتى عند سقوط الثلج أو تجمع الجليد كان أبي يركبها في طريقه إلى عمله في الإدارة المحلية، حيث بدأ عمله هناك في وظيفة كاتب عندما كان في السادسة والعشرين من عمره. كما فقد أيضا الصورة النصفية التي أخذت له بعد الحرب مباشرة ويظهر فيها وهو شاب لا يتجاوز وزنه الأربعين كيلوجراما. كان أبي يحمل معه تلك الصورة مع صورة لأمه في حافظة نقوده، وذلك لأكثر من ستين عاما. وهي أشياء كان قلبه متعلقا بها بشدة.
حكيت ذات مرة لصديقة اسمها أدريان عن صورة أبي وعن مدى حزني لفقدها، ووصفتها لها قائلا: كان أبي قد أتم لتوه عامه التاسع عشر، وقد التقطت بعد أيام قلائل من إطلاق سراحه من أحد المعسكرات الروسية، حيث تعافى هناك من مرض الدوسنتاريا، وجاء تعافيه مصادفة أكثر منه نتيجة للعلاج بعد أن قضى أسابيع على شفير القبر وسط كم هائل من البؤس يصعب تصوره. كان أبي يحب أن يري الناس تلك الصورة، حيث يبدو بشعر قصير جدا، وملامح وجه شديدة البروز، وطريقة خاصة في التعبير، يصعب فهمها؛ فقد كان يبدو على عينيه اللامعتين الغامقتين الصفاء والانزعاج الشديد في آن واحد؛ مما جعلهما جذابتين. لم تكن صورة يقف الرائي عندها ساخرا من أن صاحبها يحملها معه بدلا من أن يحمل في حافظة نقوده صورة لزوجته وأولاده.
Shafi da ba'a sani ba