Majmuc

مجموع كتب ورسائل الإمام الحسين بن القاسم العياني

كتاب الرد على من جحد الله

وقال بقدم الهواء، وغيره من الأشياء

فإن سأل بعض الملحدين، أهل الحيرة المتمردين:

فقال: ما الدليل على حدث الهواء؟

قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أنه لم يخل من الزمان طرفة عين، ووجدنا الزمان محدثا وهو حينئذ سكون الهواء، فعلمنا أن ما لم ينفك من المحدث، ولم يوجد إلا بوجوده، أن سبيله في الحدث كسبيله.

فإن قيل: وما الدليل على حدث الزمان؟

قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أن كل ساعة لها أول وآخر، وكل ليلة، وكذلك كل يوم وشهر، فكلما حدثت ساعة انقطعت، فهذا دليل على حدث ما مضى من الزمان، فقد انقطع وفني، وما وقع عليه الانقطاع والفناء، فقد تناها، بين البيان، وأوضح البرهان.

فإن قال: وما أنكرت من الزمان أن يكون الزمان، الذي هو سكون الهواء قديما لم يزل، على ما ترى ساعة تبقى بعد ساعة، وساعة قبل ساعة، إلى مالا نهاية له؟كتاب الرد على من جحد الله ¶ وقال بقدم الهواء، وغيره من الأشياء ¶ فإن سأل بعض الملحدين، أهل الحيرة المتمردين: ¶ فقال: ما الدليل على حدث الهواء؟ ¶ قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أنه لم يخل من الزمان طرفة عين، ووجدنا الزمان محدثا وهو حينئذ سكون الهواء، فعلمنا أن ما لم ينفك من المحدث، ولم يوجد إلا بوجوده، أن سبيله في الحدث كسبيله. ¶ فإن قيل: وما الدليل على حدث الزمان؟ ¶ قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثه أن كل ساعة لها أول وآخر، وكل ليلة، وكذلك كل يوم وشهر، فكلما حدثت ساعة انقطعت، فهذا دليل على حدث ما مضى من الزمان، فقد انقطع وفني، وما وقع عليه الانقطاع والفناء، فقد تناها، بين البيان، وأوضح البرهان. ¶ فإن قال: وما أنكرت من الزمان أن يكون الزمان، الذي هو سكون الهواء قديما لم يزل، على ما ترى ساعة تبقى بعد ساعة، وساعة قبل ساعة، إلى مالا نهاية له؟

إما أن يكون عنيت به الزمان الذي انقطع ومضى، وتصرم وفني.

وإما أن تكون عنيت غيره، فإن كنت عنيت غيره، فليس كلامنا إلا فيه، وإن كنت عنيته، فكيف لا يتناهى عند من عقل من أهل النهى شيء قد وقع عليه الانقطاع والفناء، وما انقطع وفني فقد تناهى.

ودليل آخر

إما أن تكون عنيت بقولك: كل ما فني ومضى من الزمان الذي هو سكون الهواء.

وإما أن تكون عنيت ما بقي منه الآن، فإن كنت تريد ما مضى منه وغبر، فقد أجبت نفسك من حيث لم تشعر، وإن كنت عنيت ما بقي من الدهور، وما هو يمر على الخلق ويدور، من الساعات والأيام والليالي والشهور، فها هو اليوم يمضي ساعة حادثة ويحدث غيرها، فكلها حدثت ساعة، فثبتت ساعة وتناهت.

فهذا دليل على ما مضى من سكون الهواء، ولا يزال ذلك أبدا بإبقاء الله تبارك وتعالى، وسنزيد إن شاء الله بيانا، ونوضح لك من ذلك هدى وبرهانا، ونسأل الله أن يوفقنا.

فنقول إن شاء الله: ما تقول أيها السائل عن حدث الهواء؟ أهو في ذلك عندك ساكن أم لا؟

فإن قال: ليس بساكن كابر عقله، واستغني عن مناكرته بجهله، بأن الهواء لابث غير زائل، لا يمتنع من لبثه عاقل، ولا يكابر فيه عالم ولا جاهل.

وإن أقر بسكونه، قيل له: أخبرنا أكله ساكن أم لا؟

فإن قال: إلا بعضه كذب كذبا بينا، وإن قال: بل هو ساكن كله، فللكل نهاية وغاية، لا يخلو من السكون، والسكون يدل على تناهيه وتجديده، إذ لا يخلو منه.

ألا ترى أن الشيء إذا لم يخل من صفته، فذلك دليل على حدوده، كمثل اللون والحركة، والسكون والمسخة، وغيرهن من الأعراض، والكلية والأبعاض.

فإن قال: وما أنكرت من أن يكون الساكن ساكنا إلى مالا نهاية له؟

Shafi 81

قيل له ولا قوة إلا بالله: كلامك هذا محال باطل، لا يقبله من الناس عاقل، لأن ما صح حدثه فهو كله محدث، ثم نقضت قولك بقولك لا نهاية له، لأن الكل دليل على أنه لم يبق منه شيء حتى حدث بعد عدمه، فبطل ما ادعيت من قدمه.

ودليل آخر

أن العقل لا يقع إلا على الكل والبعض، والطول والعرض، ولا يخلو الهواء من أحد ثلاثة أوجه:

إما أن يكون ساكنا كله.

وإما أن يكون بعضه ساكنا، وبعضه متحركا.

وإما أن يكون لا ساكنا ولا متحركا.

فإن قلت: إنه لا ساكن ولا متحرك جحدته، وأبطلت ما بالقدم وصفته، بل إن كنت من المشبهة فقد عبدته.

وإن قلت: بعضه ساكن وبعضه متحرك، فقد حددته وناهيته، وقسمته وجزأته، وأجملته وبعضته، لأنه إن كان على ما وصفت فهو على ضربين، وجزؤين موصوفين متناهيين محدودين، وحالين مختلفين، متغايرين معروفين.

فإن قلت: إنه ساكن كله، فقد أقررت صاغرا إذ وصفته بالسكون فحددته، إذ لم يبق منه السكون شيئا حتى جرى عليه، ولم يذر منه قليلا ولا كثيرا حتى وصل إليه، فانظر أي القولين أولى بالحق.

- - -

باب الدلالة على حدث الأجسام

ودليل آخر

يقال لمن قال بقدم الأجسام: أخبرنا ما أعظم الأجسام وأجلها، فلا بد أن يقول الأرض والسماء، فيقال له: أهما في الهواء، أم لا؟

فإن (1) قال: لا، كذب، وإن أقر بذلك صدق، ووجد الأجسام لا تنفك من الهواء، وما لم ينفك من المحدث، ولم يوجد إلا بوجوده، فهو مثله مكون بكونه.

فإن قال: وما أنكرت من أن تكون الأرض منحدرة سفلا إلى ما لا يتناها، وكذلك السماء مصعدة؟

قيل له ولا قوة إلا بالله: هذا محال باطل فاسد، وذلك أنهما مخلوقتان.

فإن قال: وما الدليل على ما ادعيت من حدثهما؟

قيل له ولا قوة إلا بالله: الدليل على حدثهما أنهما لم ينفكا قط من الهواء الذي بينهما، وقد أوضحنا حدث الهواء فيما تقدم من كلامنا، وما لم ينفك من المحدث ولم يكن قبله، فسبيله في الحدث سبيله.

Shafi 82

فإن قال: وما أنكرت من أن يكون الهواء حدث بعدهما، ولم يكن معهما ولا قبلهما، ولا هو في القدم مثلهما؟

قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأن الأرض لم تخل من التحت، ولم تخل من التباعد والتباين، ولم تخل السماء من الارتفاع، ولم تخل الأرض من الاتضاع، وفوق الأرض فهو الهواء، وكذلك هو تحت السماء، وهو المسافة بينهما، وهو سبب تباعدهما، وهو الفرق بينهما، وأيضا فإنك مقر بأزلية تباينهما، وهذا محال لما بينا من كونهما ووجودهما، بوجود هذا الفضاء.

فإن قال: وما أنكرت من أن يكونا في حال أزليتهما غير مفترقين ثم افترقا؟

قيل له ولا قوة إلا بالله: هذه حجة عليك لا لك، احتججت بها على نفسك، لأن حدث الافتراق دليل على المفرق، وافتراقهما بعد اجتماعهما، دليل على مفرقهما بعد جمعه، ونقلهما دليل على صنعه.

ودليل آخر

أنك قلت: افترقتا، والافتراق لا يكون إلا في مكان كما وصفنا، وكذلك الاجتماع ووجود المكان، دليل على حدثهما، إذ لم يخلوا من هذا المكان المحدث، الذي بينا حدثه فيما مضى من كلامنا، وإذا لم يسبقا المحدث، أعني الهواء، ولم يكونا قبله، فسبيلهما في الحدث سبيله.

ودليل آخر

أنك قلت: افترقنا، والافتراق لا يكون إلا بعد الاجتماع، وإذا كان للاجتماع آخر فله أول، ويستحيل آخر بلا أول، ألا ترى أنهما إذا كانا لم يزالا مختلفتين ثم افترقتا، فقد بطل ما مضى من كثرة سكونهما واجتماعهما، ولا يخلو هذا الباطل الذي بطل، وهو سكونهما من أن يكون بطل كله، أو بطل بعضه.

فإن قلت: بطل بعضه، فهذا محال، لأنك أقررت بحركة افتراقهما، بعد سكون اجتماعهما، وإذا تحركتا فقد بطل كلما مضى من سكونهما، وإذا بطل جميع السكون والساعات الحادثة، فقد صح أن لهما عددا، وإذا صح بأن للساعات عددا محدثا، وصح بعد حدوثه انقطاع جميعه، والأرض والسماء عندك لم يسبقا سكونهما، هذا الذي ذكرنا، حدث ساعاته، وانقطاعها بعد حدوثها.

Shafi 83

دليل آخر

أن جميع الأجسام من الأرض والسماء، وغيرهما من الرياح والماء، وجميع ما خلق الله سبحانه وبرى، ودبر وذرأ، لا يوجد إلا في وقت وساعات، لأن الأجسام لا تنفك من السكون والحركات، وكل متحرك أو ساكن لا ينفك من أقل قليل الأوقات، وما لم ينفك من الوقت والزمان، فهو مثله في الحدث والبرهان، لأنا قد أوضحنا حدث الأزمان، فانظر كل علة من العلل، وعرض من الأعراض، فلن تجده إلا في جسم من الأجسام، وما لم يوجد إلا بوجود الجسم فلم يسبق الأجسام، وكيف يسبق ما لم يوجد إلا فيه؟! ولا يستقيم إلا به وعليه؟! وما لو لا هو لما وجد أبد الأبد، ولما رءاه من الخلق أحد، مثل اللون لا يوجد أبدا إلا في جسم، فإذا صح حدث الجسم المنفرد بذاته، فعرضه الذي لا يقوم بنفسه، ولا يوجد إلا متعلقا به، أجدر أن يكون محدثا، وأحرى بأن يكون مصنوعا مدبرا.

ثم انظر إذا أردت أن تعرف حدث جميع الأشياء، فلن تجده إن شاء الله إلا على ما ذكرنا متحركا أو ساكنا، ثم انظر إلى الحركة والسكون، فلن تجدهما أبدا إلا في وقت ولو قل الوقت، ثم انظر إلى يومك وأمسك، وافرق بين ما تأمل من البقاء، وبين الماضي السالك، من عمرك الفائت الذي قد مضى، فإنك تجد كل يوم من أيامك السالفة الماضية، الذاهبة من عمرك الفانية، قد تضمنها الفناء، وكذلك تضمن غيرها، ثم انظر الفناء أوقع عليها كلها أم لا؟! فإنك إن نظرت وجدت كل ساعة من الساعات والأزمنة الماضية الخالية، لم ينقطع آخرها إلا بعد انقطاع أولها، ولم يحدث آخرها إلا بعد حدوث أولها، وكل أول من الزمان حدث وصح حدثه، فلم يحدث آخره حتى فني أوله، وما لم ينفك من الحدث والفناء، فقد تناها منه كل ما مضى، وبلغ غايته وانقضى، فلم يوجد الزمان إلا على هذين الحالين المتناهيين، الحدوث والفناء، وما صح حدثه ومبتداه، وصح فناؤه ومنتهاه، ولم توجد الأجسام جميعا إلا بوجوده، فسبيلهما في الحدث كسبيله.

Shafi 84

ودليل آخر

لما نظرنا إلى الزمان والهواء، فأمكن في المعقول أن ينفردا من الأجسام، علمنا إذ ذلك أنهما كانا قبل الأشياء، ثم نظرنا إلى الأشياء فإذا هي لا تنفك منهما، ولا يجوز في المعقول أن تكون قبلهما، فعلمنا أن الأشياء محتاجة إليهما، مبنية في الشاهد عليهما، فلما علمنا أن الأشياء لم تكن قبلهما، ولم توجد إلا بوجودهما، رجعنا إلى الطلب لحدوثهما، والاستدلال على صنع الله فيهما، فنظرنا إلى أجلهما وأوضحهما وهو الهواء، هل ينفك طرفة عين أو أقل منها من الزمان؟ فإذا هو لا ينفك منه أصلا، فرجعنا بطلب الدليل على حدث هذا الذي لا ينفك منه شيء من الأشياء، فوجدنا - والحمد لله - في ذلك ما كفانا، ووضح لنا فشفانا، وهو ما ذكرنا، ولو لا خشية التطويل والإكثار، لشرحنا من ذلك ما لا يدفعه عاقل أبدا بإنكار.

ثم علمنا أن الله خلقهما جميعا مع إذ لم ينفك من الزمان الهواء، ثم نظرنا إلى الزمان فإذا هو عرض من أجل الأغراض، دلنا الله به على حدوث جميع الأجسام، وإبطال دعاوى الطغام، أهل التكمه في الإظلام، وأشباه عجم الأنعام، ولما نظرنا إلى هذا العرض الجليل، لم يكن بد له من جسم، فإذا جسمه هذا المكان.

Shafi 85

فيا لمن قال بعدم الطينة الويل! كيف تكون قديمة مع ما بينا من صنع الله الجليل؟! فانظر أيها المسترشد إلى ما ذكرنا، فلن تجده بخلاف ما قلنا، ولن يقدر أحد من الملحدين على فساد ما به دنا، وعلى الله اعتمدنا، وهو حسبنا وخالقنا ومصورنا، وإلهنا ومدبرنا، ومخترعنا ومقدرنا، ورازقنا ومعمرنا، وآمرنا وزاجرنا، وواعدنا وموعدنا، وموفقنا ومسددنا، ومميتنا ومحيينا، وممرضنا وشافينا، ومطعمنا وساقينا، والذي نرجو أن يغفر لنا ذنوبنا ويعفو عن هفواتنا، وبتجاوز عن سيئاتنا وقبيح أفعالنا، وعظيم جرمنا وسيء أعمالنا، وأن يبارك لنا في قصر أعمالنا، ونزع أرواحنا من أجسادنا، وألا يخرج أنفسنا إلا من بعد رضائه عنا، في سبيله بعد اجتهادنا، ونسأله أن يتفضل بذلك علينا، وأن يجعل آخر صحتنا في أعظم ما كلفنا، وأزكى ما به أمرنا، وأن يجعل عند ذلك ذكره آخر كلامنا، واليقين به آخر اعتقادنا، والبذل لأجسادنا في سبيله والغضب له آخر أعمالنا، ولقاه آخر آمالنا، وثوابه آخر سرورنا، وألم الموت آخر محنتنا، والأجداث أول راحتنا، والطاعة أكبر همنا، والعداوة لأعدائه آخر حقدنا، والموالاة لأوليائه آخر ودنا، وأن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يجعلنا من رفاقة نبيه وأحبائه، وجيرانه وأوليائه، وأن يجينا من عذابه، فلا قوة لنا إلا به، فما هي إلا مدة سنسأل فيها عن النعيم، إن لم نجتهد في الطلب غاية الاجتهاد، ونشمر قبل رحلتنا وطلب الزاد.

Shafi 86

فيا عجبا لمن يشتغل عما له خلق بالدنيا!! وقد وعد بالموت والفناء!! ووعد بعد ذلك بالثواب الجزيل إن عمل، أو بالعقاب الجليل إن غفل، وياعجبا كيف آثر ما هو عنه زائل؟! على ما هو أحد يوميه إليه راحل!! وياعجبا له كيف يطيل أمله؟! وهو ينتظر دون ذلك أجله، وياعجبا له كيف يخرب آخرته الباقية؟! بعمران دنياه الفانية، وياعجبا له كيف يعمر دار غيره؟! ويهدم داره، وياعجبا له كيف يحكم على عقله هواه؟! ويؤثر على آخرته دنياه؟! وياعجبا له كيف يشيد محل رحلته؟! ويترك محل إقامته! وياعجبا له كيف يصلح مال غيره ويفسد ماله؟! وياعجبا له كيف يجمع ما ينفع غيره؟! ويترك ما ينفعه، وياعجبا له كيف يجمع ما هو عنه هالك؟! وما هو لغيره تارك.

وسنعود إلى بيان صنع الله وحكمته، وما هو أكثر من الأدلة برحمته، فنقول: إن أعظم الدلائل على الله سبحانه، وعز عن كل شأن شأنه، ما فطر من الأرضين والسماوات العلا، وصنع منهما تبارك وتعالى.

فإن سأل سائل عن بيان صنع الله فيهما وتدبيره؟ وحكمته وتقديره؟ فجوابنا له في ذلك وبالله نستعين، ما شاهدنا من إثبات السماوات بلا عمد وإثبات الأرضين، ففي ذلك أدل الدلائل على رب العالمين.

ودليل آخر

أنا نظرنا إليهما فإذا هما موصولتان مجتمعتان، ولا بد لك توصيل من موصل، فلا بد لكل تفصيل من مفصل، ولا بد لكل مجموع من جامع، ولكل مصنوع محدث من صانع، وهو الله رب العالمين.

فإن قال: وما أنكرت من أن تكون الأرض لا نهاية لها؟! وكذلك السماء؟!

Shafi 87

قيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك، لأن ما صح حدثه فقد صح منتهاه، ولا بد لكل مخلوق من غاية يتناها إليها، وصفة لا يوجد إلا عليها، إذ لا بد للمخلوق من تحديد محدد، والإحاطة بعلمه، ولا بد له من منقطع يدل على قاطعه، وحدود تدل على محدده وصانعه، وسنين من ذلك إن شاء الله تعالى طرفا نكتفي به عن التطويل، من صنع الله العظيم الجليل، وكذلك أنا نظرنا إلى الأرض، فإذا هي مختلفة الألوان والأقدار، فعلمنا أن لها صانعا خالف بين أجناسها، ولو كانت قديمة لاتفقت، ولما تفاوتت ولا اختلفت، لأن القديم لا فرق بينه في حال من الأحوال، والمحدث فقد فرق بينه ذو الجلال.

والدليل على نهاية جميع المصنوعات، من الأهوية والأرض والسماوات، أنها لا تخلو من أحد وجهين:

إما أن يكون صانعها فرغ من صنعها وقطعها.

وإما أن تكون ناقصة بعد ما ابتدعها، فإن كان الصانع قد أتم صنعه، وفرغ من العالم وقطعه، فقد صح تناهيه لانقطاعه، وحدده الصانع بعد ابتداعه، وإن كان هذا العالم محتاجا إلى النظام، فناقصه ذو الجلال والإكرام، وما كان ناقصا عن الكمال فهو مقطوع، وما كان له منقطع فهو مصنوع، والله محدثه وصانعه، ومحدده وقاطعه.

فإن قال: فكيف ثبتت الأرض على ثقلها، بغير عمد يعمدها؟!

قيل له ولا قوة إلا بالله: قد قيل في ذلك: إنها ثبتت من قبل الاعتدال، ثم هذا تقول من أحوال المحال، لأنا نجد ما كان ثقيلا، لا يثبت بغير عمد وإن كان معتدلا.

وقيل أيضا: إنها على لحج البحار، ويستحيل كون الأرض على الأنهار، لما طبعت عليه من الإنحدار، وقلة اللبث والقرار.

Shafi 88

وقيل: إنها لم تزل تهوي بما عليها، من أجل قوتها وثقلها، وهذا من أضعف المقال، وهو قول الزنادقة الجهال، الكفرة الفجرة الضلال، أنها لم تزل تهوي، وهذا فما لا يقول به أحد يعقل ولا يعي، ولا يتكلم بهذا إلا من سلب عقله، وعظم موته وجهله، وجلى هلاكه وخبله، لأنها لو كانت تحرك على عظمها وجلتها، لهلك من على ظهرها، ولما فرق بين الحركة والسكون إذ كانت حركتها لا ترى، فجعلوا السكون حركة والحركة سكونا، والظنون عقولا والعقول ظنونا، فزادهم الله عمى، وخبلا وضلالة وعيا، فيالهم الويل الطويل!! والعذاب والخزي الجليل. أما علموا لا علمهم الله رشدا، ولا وفقهم لخير أبدا، أن الحركة هي الزوال، وأن السكون هو اللبث؟! وشتان بين الهدوء والجمود!! والحركة والجثة!!

أوما علموا أن حقيقة الحركة هي زوال الجسم واختفاقه؟! وحقيقة السكون تخلف الجسم ولبثه واعتتاقه.

أوما علموا أيضا أن الثقيل كلما ثقل كان أعظم لزواله؟! وأسرع لهويه وانتقاله، فقد رأينا بعقولنا، وشاهدنا بأبصارنا الحجر أسرع هويا في الجو من الطين والتراب، ورأينا التراب أسرع انحدارا من الخفيف، فكيف لحقت الحجر الأرض والأرض أثقل منها، والثقيل أسرع مضيا وانحدارا، وأقل لبثا وقرارا، وأجدر بالسقوط والانحدار، وأبعد من اللبث والفرار.

ثم نظرنا إلى الريشة فإذا هي أخف الأشياء، ورأيناها تلحق الأرض على ضعفها، وقلة انحدارها وموتها.

ودليل آخر

أن الجسم إذا هوى سفلا، أو من السفل علوا، أو من غيرهما من الجهات، لا يخلو في حركته من أن يكون قطع أماكنا متناهية، أو قطع أماكنا لا نهاية لها، أو لم يقطع بحركته أماكنا.

فإن قلت: إنه لم يقطع أماكنا، جعلته ساكنا، لأن المتحرك لا يتحرك إلا في مكان، ولا بد المتحرك يقطع مسافة متناهية.

وإن قلت: إنه قطع أماكنا لا نهاية لها، فهذا محال، لأن قولك قطع أماكنا يوجب نهاية الأماكن، لأن القطع جرى عليها، وإذا قطعت فقد تناها قاطعها.

Shafi 89

ثم قولك: لا نهاية نقص لإقرارك الأول، وهو قولك في القطع، وإذا صح تناهي الأماكن بقطع الجسم لها، فقد صح أيضا تناهي حركته وغايتها، إذ لا توجد الحركة إلا في المكان المقطوع، وإن رجعت إلى الحق فقلت: بل قطع أماكنا متناهية، علمت أنه - إن شاء الله - على ما وصفنا، وأنه بأيقن اليقين على ما قلنا.

ألا ترى أن الأرض والرياح إذا كانتا بزعمهم لم تزل حركتهما تقطع مكانا بعد مكان، لا يخلوان من المكان طرفة عين ولا أقل منها، وإذا إن كانتا غير خاليتين من المكان، ولم توجد حركتهما إلا فيه، [فلا بد] من أن يكونا قطعتاه أو لم تقطعاه، فإن لم يجز عليه القطع منهما، فقد عدمت حركتهما، وصح سكونهما، لأن الأرض بزعمهم إذ هوت، فلا بد أن تقطع بهويها ما عبرت، وإذا صح أنها لا توجد إلا في الأجزاء، ولا تقطع إلا ما أتت عليه من الهواء، وكانت حركتها لا توجد إلا في المقطوع عند سيرها، فقد صح تناهي المكان لقطعها له، وصح نهايته إذ لم تنفك من المكان المعبور، ولم توجد إلا بوجوده عند الهواء والمسير، وفي ذلك - والحمد لله - من الأدلة والبراهين، أكثر مما ذكرنا من التبيين، فما طلبنا من ذلك شيئا يسيرا، إلا وجدنا بمن الله كثيرا، وإذا صح تناهي الأرض بالأدلة الواضحة وقد صح أنها له، لم تثبت على ثقلها إلا بلطف مدبرها، وخالقها ومصورها، وجاعلها ومخترعها، ومقتطرها وصانعها، والقول في السماء، كالقول في الأرض عندنا، فنسأل الله أن يوفقنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا.

Shafi 90