764
وكان ينظر إلى المستقبل قيمني النفس بأن جنوده ستسوق راجلة العدو سوق الأغنام. على أن ذلك اليوم الذي كان يتعلل به، والحرب التي يتوقع نشوبها، كانت تعدو هاربة من أمام عينيه، ولو كان الله مد في فسحة أجله ثلاثين حولًا لما ألفى أصعب ملمة، ولا أعصب شدة، من قتال بسيط في سهول برلين.
ولكن قضى الله أن تستخدم هذه المعدات التي أعدها، والوسائل التي ادخرها، روح أصدق منه لقاء، وأثبت جرأة، وأعلى في النظام كعبًا. .
ولد فردريك، الملقب بالأكبر، ابن فردريك غليوم، في يناير سنة ١٧١٢.
ونحن نقول أمنين، أن الله رزقه فهمًا ثاقبًا، وذكاءً حديدًا، وحلمًا قليلًا وعزمة راسخة.
أما معالم أخلاقه الأخرى فلا ندري أهي من متممات الطبيعة، أم هي تأثير التربية الغريبة التي ترباها.
وتأريخ نشأته وعهد شبيبته مؤلم يشوق المستطلعين.
فلا أوليفر توست في معمل القرية، ولا (سميك) في معمل الصبيان، بأشقى حالًا من ذلكم الوريث المسكين.
كانت شيمة أبيه فردريك غليوم الغلطة والشر وقد صيره استبداد الملك وحشًا فتاكًا ضاريًا.
وامتد أذاه في كل مكان، عن اليمين وعن الشمال، باللكمات واللعنات كان إذا خرج إلى الرياضة والنزهة فر الناس من طريقه، وعدوا هاربين ما يحتمون كأنما من نمر انطلق مفلتًا من قفصه.
إن لقي امرأة في الطريق رفسها ثم أمرها أن تتولى إلى بيتها فترعى أطفالها، وإن صادف قسيسًا يعظ الجنود نصح له أن يعمد إلى صلاته وقراءته ويأخذ في تضرعه ومطالعته، وأتبع النصيحة بالعصا.
أما في داره فهو الأحمق الذي لا يراض، والوحش الذي لا يسكن. كان قصره جهنم وكان هو أرجم الشياطين. وكان ابنه فردريك وابنته ولهلمينة موضع كراهيته وتعذيبه، وكان جاهلًا ما هذبه علم ولا أخصب من قلبه ما أجدبه الجهل، يكره الأدب ويزرى به، ويمقت الملحدين وشيعة البابا والفلاسفة الباحثين فيما وراء الطبيعة، ولا يعرف الفرق بينهم جميعًا.
شأن الحياة لديه أن يريض جنده وأن يتريض، وألذ رياضات ذلك الأمير وأبردها على

12 / 82