Macqul da Ba Macqul

Zaki Najib Mahmud d. 1414 AH
120

Macqul da Ba Macqul

المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري

Nau'ikan

إن القائلين ب «اللاعقل» موجها للإنسان في شعاب الحياة، لا يريدون بذلك أن يقولوا عنه إنه ضال لا يسير على هدي! فالأمر عندهم هو على عكس ذلك تماما؛ إذ هم يرون أن الكائن المسير بغريزته أو المسير بعادات محددة قاطعة، إنما هو كائن أهدى سبيلا ممن يقال عنه إنه مهتد بعقله. وستكون لنا عودة إلى هذه النقطة لأهميتها البالغة، وذلك حين نعرض لبرجسون وموقفه من الغريزة بالقياس إلى العقل . ولو كان العقل مرشدا يركن إليه لما حرصت شعوب الأرض جميعا - قديما وحديثا - على أن ينشأ الناشئ على «عادات» قومه و«تقاليدهم». إن المجتمع يريد لكل فرد من أفراده - ابتغاء الأمان - أن يقلد سابقيه (وتلك هي «التقاليد» وقدسيتها عند معظم الناس)، وأن يسلك وفق ما عوده أبواه ومعلموه. وما الأبالسة والشياطين والشذاذ والمنحرفون وغير الأسوياء من الناس، إلا أفراد ابتدعوا لأنفسهم ضروبا من السلوك خرجوا به على «التقليد»، وانحرفوا عن «العادات» الجارية.

إن عمي الأبصار والبصائر وحدهم هم الذين تخدعهم العبارات المحفوظة ، فلا يقفون لحظة ليروا ماذا تعني تلك العبارات، وهل يصدق معناها على الواقع حولنا؟ فمن العبارات الجارية على الألسنة أن الإنسان متميز «بعقله» دون سائر الحيوان. فكم من الناس من وقف ليسأل: هل هذا صحيح؟ أصحيح أن الإنسان يخطو على طريق الحياة مهتديا باستدلالات العقل كما يعرفها المناطقة والرياضيون وعلوم الفيزياء والكيمياء؟ أم تراه يخطو مكبلا بما رسم له من تقاليد وعادات وغير ذلك مما لا دخل للعقل فيه؟ لقد كتب «وولتر بادجوت

Walter Bagehot » في أواسط القرن الماضي كتابه النافذ «الفيزياء والسياسة»، متتبعا فيه النظرية الداروينية عند النظر في حياة الناس الاجتماعية. ولربما كان الأقرب إلى مادة الكتاب أن يسمى «البيولوجيا والسياسة»؛ ما دام هدفه استخدام النظرية البيولوجية عن التطور، في تفسير سلوك الإنسان في المجتمع، لكن لعل المؤلف قد أراد ب «الفيزياء» كل علوم الطبيعة بما بها البيولوجيا. على أي حال فالذي يلفت نظرنا عنده هو توكيده بأن الإنسان في أولى مراحله من الحضارة، إنما تتحكم فيه شمولية اجتماعية صارمة، لا يستطيع حيالها أن ينفرد لحياته الشخصية بما يمليه عليه منطق عقله، على أن ذلك الطغيان المستبد بالأفراد في تلك المرحلة لم يكن سلطان رجل فرد بعينه، بل هو طغيان «كابوس العادات» (أو «قرص العادات» كما يسميه بادجوت)؛ فالعادات الاجتماعية - أو قل التقاليد - هي التي ترسم الطريق وتحدد الأوضاع، وعلى الأفراد أن ينصاعوا لها - بغير تفكير - وإلا أهلكتهم قبيلة أخرى تلاحم أفرادها برباط تقاليدها، فلم ينفرط عقدهم بانفراد كل منهم ب «فكره» العقلي. على أن «بادجوت» يمضي في تحليله ليبين لقارئه أن مرحلة استبداد «العادات» بالناس، تزول مع الزمن زوالا جزئيا، حين يئول الأمر في بعض المواقف إلى «العقل» وأحكامه، شريطة أن يظل للعادات القديمة سلطانها في بقية الميدان، وإلا تشقق المجتمع وانحلت روابطه. وإلى هذا الحد يمسك «اللاعقل» بزمامنا، ثم نظل نعيد لأنفسنا القول المكرور، بأن الإنسان متميز ب «عقله».

إننا نكتب هذه الصفحات من هذا الكتاب لنبين - فيما هو آت من الفصول - أن في الثقافة العربية القديمة، التي هي «تراثنا» - إلى جانب ما أفضنا فيه القول من مواقف «عقلية» - حالات من اللامعقول لا ينبغي أن نغمض عنها أبصارنا، ولكننا آثرنا أن نقف في هذا الفصل وقفة طويلة عند فكرة «اللامعقول» نفسها لنعلم ماذا يراد بها في عصرنا الحاضر، وفي غيره من العصور؛ إذ هنالك كثرة من أصحاب الرأي في عصرنا تسم هذا العصر باللامعقولية، برغم ما فيه من «علوم»، أو ربما بسبب ما فيه من علوم أنتجت آلات خنقت الإنسان، فأراد أن يتنفس بعض الهواء الطلق في مجال اللاعقل واللاعلم. وحسبنا من لامعقولية

القتال وسفك الدماء. إنما هي ألفاظ تسير الناس، لا بما قد تدل عليه من وقائع الدنيا حولهم، بل بما ربطه لهم أولو الأمر في أنفسهم من معان لها؛ وبهذا يكون اللفظ ومعناه حركتين تتلاحقان في «عادة» بدنية واحدة، ولا شأن للعقل بأي معنى من معانيه في الأمر، كما تقول للطفل الصغير «ثلاثة في أربعة»، فيرد عليك من فوره «اثنا عشر» وهو لا يدري لماذا، ولا من أين جاءت هذه «الاثنا عشر». اعرض على الناس أمرا معينا، أو فكرة معينة، تجئك منهم الإجابات المحفوظة منطلقة من الأفواه كالسهام، كل بحسب ما قد حفظ عن ملقنيه؛ فالأمر الواحد أو الفكرة الواحدة، تستثير في رقعة من الأرض لفظ «التقدمية» وفي رقعة أخرى لفظ «الرجعية»، كأنما الأفكار كالأنهار أو الجبال محدودة بمناطقها الجغرافية ؛ فالهملايا في آسيا، والألب في أوروبا، وكلمنجارو في أفريقيا، بل الأمر في دنيا اللفظ أدهى وأمر؛ لأن أمثال تلك الألفاظ الهامة الملقنة المحفوظة بما تستتبعه من ردود الفعل، هي في الحقيقة شحنات وجدانية يشحن بها صدر الآدمي ودماغه، فتصبح تحت جلود الناس كالقماقم الأسطورية التي حبست فيها المردة والجن؛ فإن وقع عليها عاثر وكشف عنها الغطاء، امتلأت السماء بدخانها ورعودها وبروقها، فماذا تكون اللاعقلية إن لم تكن هذه الحالة واحدا من معالمها؟ خذ كتابا أو مقالا مما يكتب لجمهور الناس في شئون حياتهم السياسية بصفة خاصة، واختر منه أضخم لفظه وأشده وقعا في النفوس، ثم ضع مكانه أي لفظ شئت، واربطه مع نفوسهم بالروابط نفسها، ثم انظر هل تغير في أمور الحياة العملية شيء؟ الأغلب ألا ترى فرقا في رجع الصدى بين هذه وتلك، وكل ما يطلب منك أن تنشئ في الناس «العادة» التي يوقرون بها اللفظ الجديد بمثل ما عودتهم أن يوقروا سواه؛ ففي كلتا الحالتين يجيء السلوك استجابة لألفاظ بغير إعمال للعقول.

60

العقل - نقولها مرة أخرى - هو حركة انتقالية دائما، ينتقل بها الإنسان خطوة بعد خطوة، حتى ينتهي بتلك الخطوات إلى هدف مقصود، كائنا ما كان ذلك الهدف، وكائنة ما كانت تلك الخطوات الموصلة. وإن هذا ليصدق على ميدان العلوم - رياضية كانت تلك العلوم أم طبيعية - كما يصدق على ميادين الحياة العملية الجارية، لكن أمثال هذه المواقف العقلية ليست هي كل ما في حياة الإنسان؛ ففي حياته حالات أخرى كثيرة لا يجيء فيها السير على هذا النحو، وإنما يكون الإدراك فيها بلمحة واحدة شبيهة بلمعة الضوء الخاطفة، فلا انتقال عندئذ من مقدمات إلى نتائج، أو من شواهد وبينات إلى حكم. وأمثلة ذلك كثيرة شديدة التنوع؛ فكل دفعة وجدانية هي من هذا القبيل، وكل فعل غريزي صادر عن مثل هذا الإدراك المباشر للهدف ووسائله معا، وكل تذوق لشيء من نتائج الفن - من موسيقى إلى شعر وتصوير وغير ذلك - هو أيضا من نوع الإدراكات اللحظية المباشرة، ثم كل إدراك حدسي مما يدرك به الفلاسفة أحيانا مبادئهم الأولى، التي يجيئون بعد ذلك ليستخرجوا منها نتائجها، هو كذلك إدراك بغير «العقل» وإن يكن العقل بعد ذلك هو الذي يستخرج النتائج من تلك المبادئ. وفوق هذا وهذا وذاك نذكر حالات المتصوفة التي قد يكتبون لنا عن أوصافها بعد ذلك، فنقرأ لهم لعلنا نتلبس ما يشبه تلك الحالات، أو لعلنا نتصورها من بعيد أو من قريب.

وسنحاول في الفصول الآتية أن نستعرض مشاهد من أمثال هذه المواقف اللامعقولة في تراث أسلافنا؛ لنتبين كيف جاءت حياتهم مزيجا من معقول وغير معقول، ولنعلم أنه من قبيل الإسراف في القول أن نصفهم بهذا وحده أو بذلك وحده، وكل ذلك تهيئة للصورة التي تمكننا من الحكم لأنفسنا بماذا يصلح أن يكون همزة الوصل بين ثقافتنا العصرية وثقافتهم. ولا بأس هنا من تكرار ما قد ذكرته في مناسبات أخرى، وهو أن الجانب العقلي وحده هو الذي يصلح للاستمرار بين ماض وحاضر، وأما حالات الوجدان وما يدور مداره فهي مقصورة دائما على أصحابها، لا يجوز نقلها من فرد إلى فرد، ودع عنك أن ننقلها من جيل إلى جيل، اللهم إلا إذا كان «التعبير» عن تلك الحالات هو مما نفذ به صاحبه من الحالة الفردية الخاصة إلى حقيقة الإنسان أينما كان، كما يحدث كثيرا في الشعر العظيم والفن العظيم. وها هنا يتساوى - أو يكاد يتساوى - في أعين الحاضرين كل تراث إنساني نفذ أصحابه إلى صميم النفس الإنسانية، لا فرق في ذلك بين تراث عربي وغير عربي؛ فالتراث اليوناني - مثلا - يكون لغيرنا ولنا، كما يكون التراث العربي لنا ولغيرنا على حد سواء، وأما ما يميزنا من سوانا - في ماضينا وفي حاضرنا - إذا أردنا أن يكون بين الحاضر والماضي تيار حيوي واحد، فهو - فيما أظن - نوع المشكلات وطرائق حلها، وذلك أدخل في باب العقل كما رأينا.

لقد عقد برتراند رسل فصلا - هو من أجود ما كتب في حياته الفلسفية - أراد أن يميز فيه بين قطبي الرحى في حياة الإنسان الثقافية، اللذين هما - بصورة مجملة - التصوف في ناحية ومنطق العقل في ناحية أخرى؛ ففي الحالة الأولى يكون الإدراك مباشرا وبغير مقدمات، وفي الحالة الثانية يكون الإدراك على مراحل وخطوات. ويتبع ذلك أن تعتمد الحالة الثانية على «التحليل»، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب التحليل؛ لأنه - كما يقولون - يمزق كيان الحقيقة فيفسده، وأطلق برتراند رسل على بحثه ذاك عنوان: «التصوف والمنطق»، ثم جعل هذا العنوان نفسه عنوانا لكتاب يضم ذلك الفصل إلى مجموعة من فصول أخرى.

وإنه لمما ينفعنا في موضوعنا هذا أن نوجز ما قاله رسل في التفرقة بين «المنطق» و«التصوف»؛ لأنها هي نفسها التفرقة بين المعقول واللامعقول في سياق حديثنا.

Shafi da ba'a sani ba