Lawamic Anwar
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Mai Buga Littafi
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Bugun
الثانية
Shekarar Bugawa
1402 AH
Inda aka buga
دمشق
الْعَالَمِينَ سَنَدًا صَحِيحًا عَالِيًا، وَقَالُوا: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا، وَقَدْ عَهِدْنَاهُ إِلَيْكُمْ، وَهَذِهِ وَصِيَّةُ رَبِّنَا وَفَرْضِهِ عَلَيْنَا، وَهِيَ وَصِيَّتُهُ وَفَرْضُهُ عَلَيْكُمْ، فَجَرَى التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَاقْتَفَوْا آثَارَ صِرَاطِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ «ثُمَّ» الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّابِعِينَ «تَابِعُوهُمْ» أَيْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَصَرِيحِ الْآثَارِ «طُرًّا» أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ، لِأَنَّهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَهُمُ الرَّشِيدَ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وَكَانُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]، ثُمَّ جَاءَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمُفَضَّلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ أَجْمَعِينَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» " الْحَدِيثَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ، فَقَرْنُهُ ﷺ هُمْ أَصْحَابُهُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْلِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَأَظْهَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ نِحْلَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا، وَامْتُحِنَتْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُمْ إِمَامَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَقَامَ بِأَمْرِ السُّنَّةِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَعَاضَدَهُ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، وَحُفَّاظٌ لِلدِّينِ فِخَامٌ، شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُمْ، وَثَبَّتَنَا عَلَى نَهْجِهِمْ، آمِينَ، وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ كَمَا فِي رِوَايَةِ: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ»، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي - يَعْنِي الصَّحَابَةَ -، ثُمَّ التَّابِعِينَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ كُلِّ زَمَانٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاقْتِرَانِ، فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ قَرْنًا. قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ
2 / 391