Tonon Asiri
كشف الغمة
علاها، العاطلة من زخرف دنياها، أمة الله وسيدة النساء، جمال الآباء شرف الأبناء، يفخر آدم بمكانها، ويبوح نوح بشدة شأنها، ويسموا إبراهيم بكونها من نسله، وينجح إسماعيل على إخوته إذ هي فرع أصله، وكانت ريحانة محمد من بين أهله، فما يجاريها في مفخر إلا مغلب، ولا يباريها في مجد إلا مؤنب، ولا يجحد حقها إلا مأفون، ولا يصرف عنها وجه إخلاصه إلا مغبون.
وبيان ذلك وتفصيل جمله أن الطباع البشرية مجبولة على كراهة الموت، مطبوعة على النفور منه، محبة للحياة، مائلة إليها، حتى الأنبياء (عليهم السلام) على شرف مقادير هم وعظم أخطارهم ومكانتهم من الله تعالى ومنازلهم من محال قدسه، وعلمهم بما تؤل إليه أحوالهم وتنتهي إليهم أمورهم أحبوا الحياة ومالوا إليها، وكرهوا الموت ونفروا منه، وقصة آدم (عليه السلام) مع طول عمره وامتداد أيام حياته معلومة.
قيل: إنه وهب داود (عليه السلام) حين عرضت عليه ذريته أربعين سنة من عمره، فلما استوفى أيامه وحانت منيته وانقضت مدة أجله وحم حمامه جاءه ملك الموت يقبضه نفسه التي هي وديعة عنده، فلم تطب بذلك نفسه وجزع وقال: إن الله عرفني مدة عمري وقد بقيت منه أربعون سنة، فقال: إنك وهبتها ابنك داود، فأنكر أن يكون ذلك، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فجحد فجحدت ذريته.
ونوح (عليه السلام) كان أطول الأنبياء عمرا، أخبر الله تعالى عنه أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فلما دنا أجله قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ فقال: كدار ذات بابين دخلت في باب وخرجت من باب، وهذا يدل بمفهومه على أنه لم يرد الموت ولم يؤثر مفارقة الدنيا ولا استطال أمد الإقامة فيها.
وإبراهيم (عليه السلام) روي أنه سأل الله تعالى أن لا يميته حتى يسأله، فلما استكمل أيامه التي قدرت له خرج فرأى ملكا على صورة شيخ فإن كبير قد أعجزه الضعف وظهر عليه الخراف [1] ولعابه يجري على لحيته، وطعامه وشرابه يخرجان من سبيله عن غير اختياره، فقال له: يا شيخ كم عمرك؟ فأخبره بعمر يزيد على عمر إبراهيم سنة، فاسترجع وقال: أنا أصير بعد سنة إلى هذه الحال، فسأل الموت.
وموسى (عليه السلام) لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه فأعوره كما ورد في
Shafi 431