وإذا ما انتقلنا إلى شخصية كمال الابن الأصغر، والطالب بمدرسة خليل أغا الابتدائية - تصادفنا أخطر شخصية في العمل الروائي كله، بل أخطر شخصية رسمتها ريشة نجيب محفوظ على الإطلاق. ولكننا لن نجد في «بين القصرين» إلا جذور هذه الشخصية، أو بداية نموها الإنساني، فإذا ما انتقلنا إلى «قصر الشوق» و«السكرية» طالعتنا امتداداتها الفكرية السامقة، التي تبرز لنا كل الأبعاد الموضوعية لتلك الأزمة، التي عاناها جيل كان من أبنائه نجيب محفوظ، ومجموعة الذين استمدوا قيمهم الهادفة، من جلال الكلمة وقدسية الثقافة، ثم عاشوا ليروا بأعينهم، كيف انهارت قيمهم تحت أقدام الرجعية السياسية والاجتماعية.
ويبقى بعد ذلك من أفراد الأسرة ومن نماذجها البشرية، ابنتا السيد أحمد عبد الجواد؛ وهما خديجة وعائشة، ولكل منهما اتجاهها السلوكي الناتج عن وجهة نظر نفسية إلى واقع الحياة.
وعلى ضوء هذا الاتجاه السلوكي، الذي يميز كل شخصية من شخصيات العمل الروائي في «بين القصرين»، يمكننا أن نحدد مفهوم الواقعية عند نجيب محفوظ؛ إنها واقعية النمط الإنساني في إطار الأكثرية المطلقة، والمحافظة على تقديم هذا النمط، في حدود مستوياته النفسية والعقلية، من خلال الخط الاتجاهي لسير الأحداث والمواقف. إن أسلوب نجيب في التعبير عن المضمون الاجتماعي للمشكلة، هو أسلوب الواقعية الإيحائية، التي تحرص على نقل هذا المضمون مرتبطا بالتزامية الصدق التاريخي، بحيث لا يخلو هذا الالتزام من عنصر الإيحاء الفكري الخاص بوجهة نظر الكاتب الموقفية. ولا تعد وجهة النظر هنا - بالنسبة إلى طريقة نجيب محفوظ - نوعا من أيديولوجية الواقع التي يلتزمها أصحاب الخط السياسي في أدب القصة، حين يتدخلون بفلسفة معينة توجه المضمون الاجتماعي على أساس الرؤية العقائدية لمجتمع مثالي لم يوجد في واقع الحياة، ولكنه ينبغي - تبعا لوجهة نظرهم - أن يوجد في واقع الفن.
ومن خلال المنظار النقدي المحايد، تبدو لنا واقعية نجيب محفوظ، أكثر ضمانا لسلامة العرض الفني بالنسبة إلى التجربة الجماعية؛ ذلك لأن تدخل الكاتب بفلسفة عقائدية معينة، يفرضها على خط السير الاتجاهي للعمل الروائي، من شأنه أن يحجب رؤيتنا الداخلية الحقيقية، للمستوى النفسي والعقلي لكل شخصية من الشخصيات؛ وفي هذا الجو الضبابي لا نستطيع إلا أن نلمح غير شبح الكاتب؛ لأنه يقف حائلا بيننا وبين الآخرين.
من هنا يبدو أحمد عبد الجواد، وأمينة، وياسين، وكمال، وبقية أفراد الأسرة يبدو كل منهم حيال الأحداث التي تمر بهم، على حقيقة مستوياتهم النفسية والعقلية؛ إنهم حيال أحداث الثورة مثلا أنماط واقعية متباينة: فبينما نجد فهمي بحكم وعيه وثقافته وإدراكه لقيمة اللحظة الصاعدة التي تصنع الحاضر والمستقبل، دائم الثورة على الاستعمار، دائم التقديس لكفاح سعد زغلول، مضحيا بنفسه في النهاية من أجل أهدافه ومبادئه، نجد في الأطراف الأخرى المقابلة: أمينة، وهي لا تكف عن دعاء الله أن ينشر السلام، ويصفي قلوب المصريين والإنجليز، والأب وهو قانع دائما من وطنيته بالمشاركة الوجدانية، دون الإقدام على عمل يغير وجه الحياة، ثم وهو يحاول أن يستغل سلطته الأبوية الرهيبة، في تجميد كل الخطوات الزاحفة لفهمي في طريق الكفاح، ولتنمحي الثورة في منطق الأنانية، طالما كان الخطر بعيدا عن أبنائه؛ ونرى ياسين وهو يعلق على الأحداث بأسف هادئ، لا يمنعه من مواصلة حياته المعتادة، والسهر حتى منتصف الليل في أوكار العاهرات؛ وإحدى فتيات الأسرة وهي تصب سخطها على سعد زغلول؛ لأنه في رأيها سبب هذا الشر كله، ولولاه لعاش هو وعاش معه بقية المصريين في دعة وسلام؛ أما صغير الأسرة كمال، فكل ما يعنيه من تلك الأحداث هو أن الجنود الإنجليز، في معسكرهم القائم أمام البيت يحتفون به ويداعبونه ويقدمون له قطع الشيكولاتة، كلما أطرب آذانهم بصوته الطفولي الحبيب؛ وبهذا الأسلوب من الواقعية الإيحائية، لا يحول المؤلف بيننا وبين رؤية السلوك الاتجاهي لكل شخصية من شخصياته؛ لأنه يضعنا وجها لوجه - دون أن يتدخل - أمام مستويات التفكير الحقيقية لتلك الشخصيات.
ونجيب محفوظ يقدم الشخصية المرسومة أحيانا بطريقة جديدة، يقدم إلينا النموذج الإنساني في موقف من المواقف وكأنه مرآة ذات وجهين، يعكس أحدهما صورة الوجود الداخلي للنموذج نفسه، بينما يعكس الوجه الآخر صورة أخرى لنموذج إنساني مغاير، يشترك مع النموذج الأول في التقاء الخطوط النفسية المنطلقة من نقطة ارتكاز الحدث. إننا نرى أحمد عبد الجواد مرة من خلال أمينة، ونراه مرة وكأنه واجهة عرض مزدوجة؛ فإذا ما فكر ياسين مثلا في شخصية أبيه، وإذا ما فكرت أمينة في تلك الشخصية؛ تحول كل منهما - إلى واجهتي عرض: إحداهما أمامية تلمح من ورائها صورته النفسية الأصيلة، والأخرى جانبية تطالعنا بالصورة المقابلة التي تتفق معها أو تختلف، في مدى التأثر بواقع التجربة الإنسانية المعاشة.
2
مفهوم السلبية والإيجابية في العمل الفني، من أي زاوية يمكن أن ينظر إليه؟ الواقع أن هذا المفهوم يحتاج إلى تحديد. إن شخصية فهمي مثلا - كما رسمها نجيب محفوظ - شخصية تخيرت طريقها بأسلوب إرادي صارم، ورسمت لهذا الطريق بداية واعية صاعدة، كانت نهايتها أشبه بعملية تتويج بطولية، لمجموعة من خطوات النضال الهادف؛ وإزاء هذا التحديد الاتجاهي للشخصية الإنسانية، يبدو نجيب محفوظ - على ضوء الرؤية النقدية عند بعض النقاد - كاتبا واقعيا تتميز واقعيته بالطابع الإيجابي، الذي ينبغي للروائي أن يلتزمه عند تصوير الشخصيات، والإيجابية المقصودة مصدرها أن فهمي بطل «بين القصرين»، لم يكن سلبيا في مواجهة المشكلات، ولم يكن سلبيا في مواجهة الموت؛ على عكس بعض الشخصيات الأخرى كحسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، حين عالج كل منهما مشكلته بالانتحار، وهو - على ضوء تلك الرؤية النقدية عند هؤلاء النقاد - موقف هروبي بالنسبة إلى المشكلة؛ لأن الانتحار - بمضمونه النفسي والإنساني - ما هو إلا عملية إنهاء سلبية لحياة غير هادفة؛ ومن هنا يتهم نجيب محفوظ بأنه لم يكن في عمله الروائي السابق، كاتب الواقعية الإيجابية كما ظهرت بنسيجها المحكم، في الجزء الأول من روايته الأخيرة «بين القصرين»؛ وقد يتهم مرة أخرى بأنه كان سلبيا بالنسبة إلى بعض المواقف، التي أبرز من خلالها أخطر شخصية رسمتها ريشته، وهي شخصية كمال بطل «قصر الشوق» و«السكرية».
من هنا كان مفهوم السلبية والإيجابية يحتاج إلى تحديد. إن الحكم بسلبية العمل الفني أو إيجابيته، يجب أن يستمد من موقف الكاتب نفسه، وليس من موقف الشخصية المرسومة؛ من الموقف «التأثيري» لذلك الكاتب وليس من الموقف «السلوكي» لهذه الشخصية. فقد يكون الكاتب - من ناحية التأثير الانفعالي في قرائه - إيجابي الهدف، حين تكون الشخصية التي يرسمها سلبية السلوك أو سلبية الاتجاه، وعلى العكس؛ إذا لم يستطع الكاتب أن يفجر في وجودنا الداخلي تلك الطاقة الانفعالية، فهو كاتب سلبي على الأساس التحديدي للسلبية التأثيرية. إن الكاتب الإيجابي الهادف هو الذي يفتح عيون الطبقات على مشكلاتها، وذلك عن طريق تجسيم هذه المشكلات بأي أسلوب من أساليب العرض، ولن تتم هذه العملية التجسيمية، إلا إذا استطاع الكاتب أن يصب المشكلة في نفوس قرائه، وأن يملأ وجودهم الداخلي بكل عنصر من عناصر الإثارة. وفي رأينا أن نجيب محفوظ، قد حقق هذا الهدف الإيجابي، وهو يدفع حسنين ونفيسة إلى الانتحار في «بداية ونهاية»، ثم وهو يدفع بكمال إلى هاوية التردد والحيرة والكفر بالقيم، في بعض المواقف من «قصر الشوق» و«السكرية».
لقد كانت المشكلة التي دار حولها نجيب بمجموعة الأحداث والمواقف في «بداية ونهاية» هي مشكلة الفقر، في مجتمع إنساني متخلف لا ضمان فيه؛ فإذا انحرفت نفيسة عن طريق الشرف لتمارس الخطيئة «ضمانا» للقمة العيش، وإذا تحول حسن عن الحياة النظيفة ليعيش في كنف العاهرات؛ «ضمانا» لاستمرار بقائه، وإذا اضطر حسنين أن يعتمد على صدقات أخيه البلطجي، «ضمانا» لاستكمال تعليمه بالكلية الحربية، وإلى أن يحكم بعد ذلك على أخته وعلى نفسه بالموت؛ «ضمانا» لإنقاذ سمعته بعد أن أصبح محترما في المجتمع، فتلك هي الواقعية الإيحائية التي يلتزمها نجيب محفوظ؛ إنه هنا يبدو إيجابيا من خلال المواقف السلبية لشخصياته؛ لأن هدفه الإيحائي من وراء هذه العملية التجسيمية، هو أن يفتح عيوننا على الواقع البشع للمشكلة، وكأنه في موقف المحتج - الذي يدفعنا معه إلى الاحتجاج - على مجتمع تعود أن يرغم بعض أفراده - تبعا لخلوه من ضمان للحياة الشريفة، على أن يلتمسوا تلك الضمانات المنحرفة، التي تتفق مع منطق الفقر والحاجة، وتعود أن يقنع البعض الآخر أن الموت - بالنسبة إلى حياتهم القاسية - يعد طريقا من طرق الخلاص.
Shafi da ba'a sani ba