847

Jumimar Bayani Akan Tafsirin Alkur'ani

جامع البيان في تفسير القرآن

وإذ كان ذلك كذلك، صح القول الذي قلناه، من أن الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وشذ ما خالفه. واختلفت القراء في قراءة قوله: { إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم } فقرأها بعضهم: { إلا أن تكون تجرة } رفعا بمعنى: إلا أن توجد تجارة، أو تقع تجارة عن تراض منكم، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى. ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه «أن تكون» تامة ههنا لا حاجة بها إلى خبر على ما وصفت وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة. وقرأ ذلك آخرون، وهم عامة قراء الكوفيين: { إلا أن تكون تجرة } نصبا، بمعنى: إلا أن تكون الأمول التي تأكلونها بينكم تجارة عن تراض منكم، فيحل لكم هنالك أكلها، فتكون الأموال مضمرة في قوله: { إلا أن تكون } والتجارة منصوبة على الخبر. وكلتا القراءتين عندنا صواب جائز القراءة بهما، لاستفاضتهما في قراءة الأمصار مع تقارب معانيهما. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن قراءة ذلك بالنصب أعجب إلي من قراءته بالرفع، لقوة النصب من وجهين: أحدهما: أن في تكون ذكرا من الأموال والآخر: أنه لو لم يجعل فيها ذكر منها ثم أفردت بالتجارة وهي نكرة، كان فصيحا في كلام العرب النصب، إذ كانت مبنية على اسم وخبر، فإذا لم يظهر معها إلا نكرة واحدة نصبوا ورفعوا، كما قال الشاعر:

إذا كان طعنا بينهم وعناقا

ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم }: اكتسابا أحل ذلك لها. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم } قال: التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها، وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة.

وأما قوله: { عن تراض } فإن معناه كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: { عن تراض منكم } في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { عن تراض منكم } في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما "

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: المماسحة بيع هي؟ قال: لا، حتى يخيره التخيير بعد ما يجب البيع، إن شاء أخذ وإن شاء ترك. واختلف أهل العلم في معنى التراضي في التجارة، فقال بعضهم: هو أن يخير كل واحد من المتبايعين بعد عقدهما البيع بينهما فيما تبايعا فيه من إمضاء البيع أو نقضه، أو يتفرقا عن مجلسهما الذي تواجبا فيه البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي تعاقداه بينهما قبل التفاسخ. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنى أبي، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن شريح قال: اختصم رجلان، باع أحدهما من الآخر برنسا، فقال: إني بعت من هذا برنسا، فاسترضيته فلم يرضني. فقال: أرضه كما أرضاك! قال: إني قد أعطيته دراهم ولم يرض. قال: أرضه كما أرضاك! قال: قد أرضيته فلم يرض. فقال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، عن شريح، قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن شريج، مثله. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن جابر، قال: ثنى أبو الضحى، عن شريح أنه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: قال أبو الضحى: كان شريح يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وحدثني الحسن بن يزيد الطحان، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام، عن رجل، عن أبي حوشب، عن ميمون، قال: اشتريت من ابن سيرين سابريا فسام علي سومه، فقلت: أحسن! فقال: إما أن تأخذ وإما أن تدع. فأخذت منه، فلما وزنت الثمن وضع الدراهم، فقال: اختر إما الدراهم وإما المتاع! فاخترت المتاع فأخذته.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن الشعبي أنه كان يقول في البيعين: إنهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تصادر فقد وجب البيع. حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا سفيان بن دينار، عن طيسلة، قال: كنت في السوق، وعلي رضي الله عنه في السوق، فجاءته جارية إلى بيع فاكهة بدرهم، فقالت: أعطني هذا! فأعطاها إياه. فقالت: لا أريده أعطني درهمي! فأبى، فأخذه منه علي فأعطاها إياه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي أنه أتى في رجل اشترى من رجل برذونا ووجب له، ثم إن المبتاع رده قبل أن يتفرقا، فقضى أنه قد وجب عليه. فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا قضى في مثله أن يرده على صاحبه، فرجع الشعبي إلى قضاء شريح. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أنه كان يقول في البيعين: إذا ادعى المشترى أنه قد أوجب له البيع، وقال البائع: لم أوجب له، قال شاهدان عدلان أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير، وإلا فيمين البائع: أنكما ما افترقتما عن بيع ولا تخاير. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: كان شريح يقول: شاهدان ذوا عدل أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع وتخاير، وإلا فيمينه بالله ما تفرقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا ابن عون ، عن محمد بن سيرين، عن شريح أنه كان يقول: شاهدان ذوا عدل أنهما تفرقا عن تراض بعد بيع أو تخاير. وعلة من قال هذه المقالة ما: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:

" كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا أن يكون خيارا ".

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنى يحيى بن أيوب، قال: كان أبو زرعة إذا بايع رجلا يقول له: خيرني! ثم يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يفترق اثنان إلا عن رضا "

Shafi da ba'a sani ba