Jumimar Bayani Akan Tafsirin Alkur'ani
جامع البيان في تفسير القرآن
فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن المسجد الحرام هو أول مسجد وضعه الله في الأرض على ما قلنا، فأما في وضعه بيتا بغير معنى بيت للعبادة والهدى والبركة، ففيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضه في هذا الموضع وبعض في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: { للذى ببكة مباركا } فإنه يعني: للبيت الذي بمزدحم الناس لطوافهم في حجهم وعمرهم وأصل البك: الزحم، يقال منه: بك فلان فلانا: إذا زحمه وصدمه، فهو يبكه بكا، وهم يتباكون فيه: يعني به: يتزاحمون ويتصادمون فيه، فكان بكة: «فعلة» من بك فلان فلانا: زحمه، سميت البقعة بفعل المزدحمين بها.
فإذا كانت بكة ما وصفنا، وكان موضع ازدحام الناس حول البيت، وكان لا طواف يجوز خارج المسجد، كان معلوما بذلك أن يكون ما حول الكعبة من داخل المسجد، وأن ما كان خارج المسجد فمكة لا بكة لأنه لا معنى خارجه يوجب على الناس التباك فيه. وإذا كان ذلك كذلك كان بينا بذلك فساد قول من قال بكة: اسم لبطن مكة، ومكة: اسم للحرم. ذكر من قال في ذلك ما قلنا، من أن بكة في موضع مزدحم الناس للطواف: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري في قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } قال: بكة: موضع البيت، ومكة: ما سوى ذلك. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن أبي جعفر، قال: مرت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي، وهي تطوف بالبيت، فدفعها. قال أبو جعفر: إنها بكة يبك بعضها بعضا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سلمة، عن مجاهد، قال: إنما سميت بكة، لأن الناس يتباكون فيها، الرجال والنساء. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد، قال: قلت أي شيء سميت بكة؟ قال: لأنهم يتباكون فيها، قال: يعني يتزاحمون. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن أخيه، عن ابن الزبير، قال: إنما سميت بكة لأنهم يأتونها حجاجا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } فإن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء قدام الرجال، ولا يصلح ببلد غيره. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: «بكة»: بك الناس بعضهم بعضا، الرجال والنساء يصلي بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، قال: «بكة»: موضع البيت، و «مكة»: ما حولها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أزهر، عن غالب بن عبيد الله أنه سأل ابن شهاب عن بكة. قال: «بكة» البيت والمسجد. وسأله عن مكة. فقال ابن شهاب: «مكة»: الحرم كله. حدثنا الحسين. قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج. عن عطاء ومجاهد، قالا «بكة»: بك فيها الرجال والنساء. حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي. قال: قال ضمرة بن ربيعة: «بكة»: المسجد. و«مكة»: البيوت. وقال بعضهم بما: حدثني به يحيى بن أبي طالب.
قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة } قال: هي مكة. وقيل: { مباركا } لأن الطواف به مغفرة للذنوب، فأما نصب قوله: { مباركا } فإنه على الخروج من قوله: { وضع } لأن في «وضع» ذكرا من البيت هو به مشغول وهو معرفة، و «مبارك» نكرة لا يصلح أن يتبعه في الإعراب. وأما على قول من قال: هو أول بيت وضع للناس على ما ذكرنا في ذلك قول من ذكرنا قوله، فإنه نصب على الحال من قوله: { للذى ببكة } لأن معنى الكلام على قولهم: إن أول بيت وضع للناس، البيت ببكة مباركا. فالبيت عندهم من صفته «الذي ببكة»، و «الذي» بصلته معرفة، و «المبارك» نكرة فنصب على القطع منه في قول بعضهم. وعلى الحال في قول بعضهم. و «هدى» في موضع نصب على العطف على قوله «مباركا».
[3.97]
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه قراء الأمصار: { فيه ءايت بينت } على جماع آية، بمعنى: فيه علامات بينات. وقرأ ذلك ابن عباس: «فيه آية بينة» يعني بها: مقام إبراهيم، يراد بها علامة واحدة. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { فيه ءايت بينت } وما تلك الآيات. فقال بعضهم: مقام إبراهيم والمشعر الحرام، ونحو ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { فيه ءايت بينت }: مقام إبراهيم، والمشعر. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ومجاهد: { فيه ءايت بينت مقام إبرهيم } قالا: مقام إبراهيم من الآيات البينات. وقال آخرون: الآيات البينات { مقام إبرهيم ومن دخله كان ءامنا }. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن في قوله: { فيه ءايت بينت } قال: { مقام إبرهيم ومن دخله كان ءامنا }. وقال آخرون: الآيات البينات: هو مقام إبراهيم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { فيه ءايت بينت مقام إبرهيم } أما الآيات البينات: فمقام إبراهيم. وأما الذين قرؤوا ذلك: { فيه آية بينة } على التوحيد، فإنهم عنوا بالآية البينة: مقام إبراهيم. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن بن أبي نجيح ، عن مجاهد: { فيه ءايت بينت } قال: قدماه في المقام آية بينة. يقول: { ومن دخله كان ءامنا } قال: هذا شيء آخر. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد { فيه آية بينة مقام إبرهيم } قال: أثر قدميه في المقام آية بينة. وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: الآيات البينات منهن مقام إبراهيم، وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما، فيكون الكلام مرادا فيه «منهن»، فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها. فإن قال قائل: فهذا المقام من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: { آيات بينات }؟ قيل: منهن: المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم، وأصح القراءتين في ذلك قراءة من قرأ { فيه ءايت بينت } على الجماع، لإجماع قراء أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها. وأما اختلاف أهل التأويل في تأويل: { مقام إبرهيم } فقد ذكرناه في سورة البقرة، وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنالك، وأنه عندنا: المقام المعروف به. فتأويل الآية إذا: إن أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين، للذي ببكة، فيه علامات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم منهن أثر قدم خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الحجر الذي قام عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: { ومن دخله كان ءامنا }. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله الخبر عن أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاذ بالبيت لم يكن يها مأخوذا. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ومن دخله كان ءامنا } وهذا كان في الجاهلية، كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم ألتجأ إلى حرم الله، لم يتناول ولم يطلب فأما في الإسلام، فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، من قتل فيه قتل، وعن قتادة أن الحسن كان يقول: إن الحرم لا يمنع من حدود الله، لو أصاب حدا في غير الحرم فلجأ إلى الحرم ولم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد، ورأى قتادة ما قاله الحسن. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: { ومن دخله كان ءامنا } قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم فإن سرق فيه أحد قطع، وإن قتل فيه قتل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا. حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، قال: ثنا خصيف، عن مجاهد في الرجل يقتل، ثم يدخل الحرم، قال: يؤخذ فيخرج من الحرم، ثم يقام عليه الحد. يقول: القتل. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، مثل قول مجاهد. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا هشام، عن الحسن وعطاء في الرجل يصيب الحد، ويلجأ إلى الحرم: يخرج من الحرم فيقام عليه الحد. فتأويل الآية على قول هؤلاء: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، والذي دخله من الناس كان آمنا بها في الجاهلية. وقال آخرون: معنى ذلك: ومن يدخله يكن آمنا بها، بمعنى الجزاء، كنحو قول القائل: من قام لي أكرمته: بمعنى من يقم لي أكرمه. وقالوا: هذا أمر كان في الجاهلية، كان الحرم مفزع كل خائف، وملجأ كل جان، لأنه لم يكن يهاج له ذو جريرة، ولا يعرض الرجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء. قالوا: وكذلك هو في الإسلام، لأن الإسلام زاده تعظيما وتكريما. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا خصيف، قال ثنا مجاهد، قال: قال ابن عباس: إذا أصاب الرجل الحد قتل أو سرق، فدخل الحرم، ولم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحد.
قال: فقلت لابن عباس: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يؤخذ برمته، ثم يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن عطاء، قال: أخذ ابن الزبير سعدا مولى معاوية، وكان في قلعة بالطائف، فأرسل إلى ابن عباس من يشاوره فيهم، إنهم لنا عين، فأرسل إليه، ابن عباس: لو وجدت قاتل أبي لم أعرض له. قال: فأرسل إليه، ابن الزبير: ألا نخرجهم من الحرم؟ قال: فأرسل إليه ابن عباس: أفلا قبل أن تدخلهم الحرم؟ زاد أبو السائب في حديثه فأخرجهم فصلبهم، ولم يصغ إلى قول ابن عباس. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: من أحدث حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ولم يعرض له ولم يبايع ولم يكلم ولم يؤو حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم أخذ فأقيم عليه الحد. قال: ومن أحدث في الحرم حدثا أقيم عليه الحد. حدثنا أبو كريب قال: ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: من أحدث حدثا ثم استجار بالبيت فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج، فإذا خرج أقاموا عليه الحد. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن عطاء: أن الوليد بن عتبة أراد أن يقيم الحد في الحرم، فقال له عبيد بن عمير: لا تقم عليه الحد في الحرم إلا أن يكون أصابه فيه. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا مطرف، عن عامر، قال: إذا أصاب الحد، ثم هرب إلى الحرم، فقد أمن، فإذا أصابه في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبي، قال: من أصاب حدا في الحرم ومن أصابه خارجا من الحرم ثم دخل الحرم، لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه. حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، وعن عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح في الرجل يقتل، ثم يدخل الحرم، قال: لا يبيعه أهل مكة، ولا يشترون منه، ولا يسقونه ولا يطعمونه، ولا يؤوونه عد أشياء كثيرة حتى يخرج من الحرم، فيؤخذ بذنبه.
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الرجل إذا أصاب حدا ثم دخل الحرم أنه لا يطعم، ولا يسقى، ولا يؤوى، ولا يكلم، ولا ينكح، ولا يبايع، فإذا خرج منه أقيم عليه الحد. حدثني المثنى، قال: ثني حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: إذا أحدث الرجل حدثا، ثم دخل الحرم، لم يؤو، ولم يجالس، ولم يبايع، ولم يطعم، ولم يسق، حتى يخرج من الحرم. حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: { ومن دخله كان ءامنا }: فلو أن رجلا قتل رجلا، ثم أتى الكعبة فعاذ بها، ثم لقيه أخو المقتول لم يحل له أبدا أن يقتله. وقال آخرون: معنى ذلك: ومن دخله يكن آمنا من النار. ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن مسلم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا رزيق بن مسلم المخزومي، قال: ثنا زياد ابن أبي عياض، عن يحيى بن جعدة، في قوله: { ومن دخله كان ءامنا } قال: آمنا من النار. وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول ابن الزبير ومجاهد والحسن، ومن قال معنى ذلك: ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه، ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه. فتأويل الآية إذا: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يخرج منه. فإن قال قائل: وما منعك من إقامة الحد عليه فيه؟ قيل: لاتفاق جميع السلف على أن من كانت جريرته في غيره ثم عاذ به، فإنه لا يؤخذ بجريرته فيه. وإنما اختلفوا في صفة إخراجه منه لأخذه بها، فقال بعضهم: صفة ذلك منعه المعاني التي يضطر مع منعه وفقده إلى الخروج منه. وقال آخرون: لا صفة لذلك غير إخراجه منه بما أمكن إخراجه من المعاني التي توصل إلى إقامة حد الله معها، فلذلك قلنا: غير جائز إقامة الحد عليه فيه إلا بعد إخراجه منه. فأما من أصاب الحد فيه، فإنه لا خلاف بين الجميع في أنه يقام عليه فيه الحد، فكلتا المسألتين أصل مجمع على حكمهما على ما وصفنا. فإن قال لنا قائل: وما دلالتك على أن إخراج العائذ بالبيت إذا أتاه مستجيرا به من جريرة جرها أو من حد أصابه من الحرم جائز لإقامة الحد عليه وأخذه بالجريرة، وقد أقررت بأن الله عز وجل قد جعل من دخله آمنا، ومعنى الآمن غير معنى الخائف، فيما هما فيه مختلفان؟ قيل: قلنا ذلك لإجماع الجميع من المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أن إخراج العائذ به من جريرة أصابها أو فاحشة أتاها وجبت عليه بها عقوبة منه ببعض معاني الإخراج لأخذه بما لزمه، واجب على إمام المسلمين وأهل الإسلام معه.
وإنما اختلفوا في السبب الذي يخرج به منه، فقال بعضهم: السبب الذي يجوز إخراجه به منه ترك جميع المسلمين مبايعته وإطعامه وسقيه وإيواء وكلامه وما أشبه ذلك من المعاني التي لا قرار للعائذ به فيه مع بعضها، فكيف مع جميعها؟ وقال آخرون منهم: بل إخراجه لإقامة ما لزمه من العقوبة واجب بكل معاني الإخراج. فلما كان إجماعا من الجميع على أن حكم الله فيمن عاذ بالبيت من حد أصابه أو جريرة جرها إخراجه منه لإقامة ما فرض الله على المؤمنين إقامته عليه، ثم اختلفوا في السبب الذي يجوز إخراجه به منه كان اللازم لهم ولإمامهم إخراجه منه بأي معنى أمكنهم إخراجه منه حتى يقيموا عليه الحد الذي لزمه خارجا منه إذا كان لجأ إليه من خارج على ما قد بينا قبل. وبعد: فإن الله عز وجل لم يضع حدا من حدوده عن أحد من خلقه من أجل بقعة وموضع صار إليها من لزمه ذلك. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة "
Shafi da ba'a sani ba