508

Jumimar Bayani Akan Tafsirin Alkur'ani

جامع البيان في تفسير القرآن

وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى

[الطلاق: 6] وأخبر تعالى أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضا رضاع ولدها، فكان معلوما بذلك أن قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الولدان في رضاع المولود بعدها، جعل حدا يفصل به بينهما، لا دلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن. وأما قوله { حولين } فإنه يعني به سنتين، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } سنتين. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وأصل الحول من قول القائل: حال هذا الشيء: إذا انتقل، ومنه قيل: تحول فلان من مكان كذا: إذا انتقل عنه. فإن قال لنا قائل: وما معنى ذكر كاملين في قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } بعد قوله يرضعن حولين وفي ذكر الحولين مستغنى عن ذكر الكاملين؟ إذ كان غير مشكل على سامع سمع قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } ما يراد به، فما الوجه الذي من أجله زيد ذكر كاملين؟ قيل: إن العرب قد تقول: أقام فلان بمكان كذا حولين أو يومين أو شهرين، وإنما أقام به يوما وبعض آخر أو شهرا وبعض آخر، أو حولا وبعض آخر فقيل حولين كاملين ليعرف سامع ذلك أن الذي أريد به حولان تامان، لا حول وبعض آخر، وذلك كما قال الله تعالى ذكره:

واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه

[البقرة: 203]. ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف، فكذلك ذلك في اليوم الثالث من أيام التشريق، وأنه ليس منه شيء تام، ولكن العرب تفعل ذلك في الأوقات خاصة، فتقول: اليوم يومان منذ لم أره، وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر، وقد توقع الفعل الذي تفعله في الساعة أو اللحظة على العام والزمان واليوم، فتقول زرته عام كذا، وقتل فلان فلانا زمان صفين، وإنما تفعل ذلك لأنها لا تقصد بذلك الخبر عن عدد الأيام والسنين، وإنما تعني بذلك الأخبار عن الوقت الذي كان فيه المخبر عنه، فجاز أن ينطق بالحولين واليومين على ما وصفت قبل، لأن معنى الكلام في ذلك: فعلته إذ ذاك، وفي ذلك الوقت.

فكذلك قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } لما كان الرضاع في الحولين وليسا بالحولين، فكان الكلام لو أطلق في ذلك بغير تضمين الحولين بالكمال، وقيل: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } محتملا أن يكون معنيا به حول وبعض آخر نفي اللبس عن سامعيه بقوله: { كاملين } أن يكون مرادا به حول وبعض آخر، وأبين بقوله: { كاملين } عن وقت تمام حد الرضاع، وأنه تمام الحولين بانقضائهما دون انقضاء أحدهما وبعض الآخر. ثم اختلف أهل التأويل في الذي دلت عليه هذه الآية من مبلغ غاية رضاع المولودين، أهو حد لكل مولود، أو هو حد لبعض دون بعض؟ فقال بعضهم: هو حد لبعض دون بعض. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود عن عكرمة، عن ابن عباس في التي تضع لستة أشهر: أنها ترضع حولين كاملين، وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين لتمام ثلاثين شهرا، وإذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة بمثله، ولم يرفعه إلى ابن عباس. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي عبيدة قال: رفع إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر، فقال: إنها رفعت لا أراها إلا قد جاءت بشر أو نحو هذا ولدت لستة أشهر، فقال ابن عباس: إذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر. قال: وتلا ابن عباس:

وحمله وفصله ثلثون شهرا

[الأحقاف: 15]، فإذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر. فخلى عثمان سبيلها. وقال آخرون: بل ذلك حد رضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه، فأراد أحدهما البلوغ إليه، والآخر التقصير عنه. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } فجعل الله سبحانه الرضاع حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ثم قال: { فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قال: إن أرادت أمه أن تقصر عن حولين كان عليها حقا أن تبلغه لا أن تزيد عليه إلا أن يشاء. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء جميعا، عن الثوري في قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } والتمام: الحولان، قال: فإذا أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض المرأة فليس له ذلك، وإذا قالت المرأة أنا أفطمه قبل الحولين وقال الأب لا.

فليس لها أن تفطمه حتى يرضى الأب حتى يجتمعا، فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه، وإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين، وذلك قوله: { فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور }. وقال آخرون: بل دل الله تعالى ذكره بقوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } على أن لا رضاع بعد الحولين، فإن الرضاع إنما هو. كان في الحولين. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا الزهري، عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: إن الله تعالى ذكره يقول: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ولا نرى رضاعا بعد الحولين يحرم شيئا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: كان ابن عمر وابن عباس يقولان: لا رضاع بعد الحولين. حدثنا أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن الشيباني، عن أبي الضحى، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله قال: ما كان من رضاع بعد سنتين أو في الحولين بعد الفطام فلا رضاع. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد حولين، فقال لا ترضعيه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الشيباني، قال: سمعت الشعبي، يقول: ما كان من وجور أو سعوط أو رضاع في الحولين فإنه يحرم، وما كان بعد الحولين لم يحرم شيئا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم أنه كان يحدث عن عبد الله أنه قال: لا رضاع بعد فصال أو بعد حولين. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ليس يحرم من الرضاع بعد التمام، إنما يحرم ما أنبت اللحم وأنشأ العظم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس قال: لا رضاع بعد فصال السنتين. حدثنا هلال بن العلاء الرقي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، قال: سمعت ابن عباس يقول: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قال: لا رضاع إلا في هذين الحولين. وقال آخرون: بل كان قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } دلالة من الله تعالى ذكره عباده على أن فرضا على والدات المولودين أن يرضعنهم حولين كاملين، ثم خفف تعالى ذكره ذلك بقوله: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين، وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود.

ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ثم أنزل الله اليسر والتخفيف بعد ذلك، فقال تعالى ذكره: { لمن أراد أن يتم الرضاعة }. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } يعني المطلقات يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم أنزل الرخصة والتخفيف بعد ذلك، فقال: { لمن أراد أن يتم الرضاعة }. ذكر من قال: إن الوالدات اللواتي ذكرهن الله في هذا الموضع البائنات من أزواجهن على ما وصفنا قبل. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } إلى: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } أما الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، فالرجل يطلق امرأته وله منها ولد، وأنها ترضع له ولده بما يرضع له غيرها. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، بنحوه. وأولى الأقوال بالصواب في قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } القول الذي رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ووافقه على القول به عطاء والثوري، والقول الذي روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وابن عمر، وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في رضاع المولود إذا اختلف والده، وأن لا رضاع بعد الحولين يحرم شيئا، وأنه معني به كل مولود لستة أشهر كان ولاده، أو لسبعة أو لتسعة. فأما قولنا: إنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه فلأن الله تعالى ذكره لما حد في ذلك حدا، كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقا في الحكم ما دونه، لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن للحد معنى معقول. وإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي هو دون الحولين من الأجل لما كان وقت رضاع، كان ما وراءه غير وقت له، وأنه وقت لترك الرضاع، وأن تمام الرضاع لما كان تمام الحولين، وكان التمام من الأشياء لا معنى إلى الزيادة فيه، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين، وأن ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرما، كان ما وراءه غير محرم.

وإنما قلنا هو دلالة على أنه معني به كل مولود لأي وقت كان ولاده، لستة أشهر، أوسبعة، أو تسعة، لأن الله تعالى ذكره عم بقوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ولم يخصص به بعض المولودين دون بعض. وقد دللنا على فساد القول بالخصوص بغير بيان الله تعالى ذكره ذلك في كتابه، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابنا «كتاب البيان عن أصول الأحكام» بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فإن قال لنا قائل: فإن الله تعالى ذكره قد بين ذلك بقوله:

Shafi da ba'a sani ba