Jumimar Bayani Akan Tafsirin Alkur'ani
جامع البيان في تفسير القرآن
[5.13]
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، ونكثوا العهد الذي بينك وبينهم، غدرا منهم بك وأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سلفهم ومن ذلك أنى أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى صلى الله عليه وسلم على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا وقد تخيروا من جميعهم ليتجسسوا أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصر عليهم، وأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العبر والآيات بإهلاك فرعون وقومه في البحر وفلق البحر لهم وسائر العبر ما أريتم، فنقضوا ميثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم فإذا كان ذلك من فعل خيارهم مع أيادي عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل آراذلهم. وفي الكلام محذوف اكتفي بدلالة الظاهر عليه، وذلك أن معنى الكلام: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فنقضوا الميثاق، فلعنتهم، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم، فاكتفى بقوله: { فبما نقضهم ميثاقهم } من ذكر «فنقضوا». ويعني بقوله جل ثناؤه: { فبما نقضهم ميثاقهم } فبنقضهم ميثاقهم. كماقال قتادة. حدثنا كثير قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { فبما نقضهم ميثاقهم } قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وقد ذكرنا معنى اللعن في غير هذا الموضع. والهاء والميم من قوله: { فبما نقضهم } عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل. القول في تأويل قوله تعالى: { وجعلنا قلوبهم قاسية }. اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: { قاسية } بالألف، على تقدير فاعلة، من قسوة القلب، من قول القائل: قسا قلبه، فهو يقسو وهو قاس، وذلك إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا، كما قال الراجز:
وقد قسوت وقست لداتي
فتأويل الكلام على هذه القراءة: فلعنا الذين نقضوا عهدي ولم يفوا بميثاقي من بني إسرائيل بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني، وجعلنا قلوبهم قاسية غليظة يابسة عن الإيمان بي والتوفيق لطاعتي، منزوعة منها الرأفة والرحمة. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: «وجعلنا قلوبهم قسية». ثم اختلف الذين قرؤا ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: معنى القسوة، لأن فعيلة في الذم أبلغ من فاعلة، فاخترنا قراءتها قسية على قاسية لذلك. وقال آخرون منهم: بل معنى «قسية» غير معنى القسوة وإنما القسية في هذا الموضع القلوب التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كفر كالدراهم القسية، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص وغير ذلك، كما قال أبو زبيد الطائي:
لها صواهل في صم السلام كما
صاح القسيات في أيدي الصياريف
يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي السلام. وأعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من قرأ: «وجعلنا قلوبهم قسية» على فعيلة، لأنها أبلغ في ذم القوم من قاسية. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فعيلة من القسوة، كما قيل: نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش. القول في تأويل قوله تعالى: { يحرفون الكلم عن مواضعه }. يقول عز ذكره: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودنا من بني إسرائيل قسية، منزوعا منها الخير، مرفوعا منها التوفيق، فلا يؤمنون، ولا يهتدون، فهم لنزع الله عز وجل التوفيق من قلوبهم والإيمان يحرفون كلام ربهم الذي أنزله على نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة، فيبدلونه ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله جل وعز على نبيهم ويقولون لجهال الناس: هذا هو كلام الله الذي أنزله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم والتوراة التي أوحاها إليه. وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود ممن أدرك بعضهم عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز ذكره أدخلهم في عداد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله والفرية عليه ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه } يعني: حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا. القول في تأويل قوله تعالى: { ونسوا حظا مما ذكروا به }. يعني تعالى ذكره بقوله: { ونسوا حظا }: وتركوا نصيبا، وهو كقوله: { نسوا الله فنسيهم } أي تركوا أمر الله فتركهم الله وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغني ذلك عن إعادته. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ونسوا حظا مما ذكروا به } يقول: تركوا نصيبا. حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: { ونسوا حظا مما ذكروا به } قال: تركوا عرى دينهم ووظائف الله جل ثناؤه التي لا تقبل الأعمال إلا بها. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم }. يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال يا محمد تطلع من اليهود الذين أنبأتك نبأهم من نقضهم ميثاقي، ونكثهم عهدي، مع أيادي عندهم، ونعمتي عليهم، على مثل ذلك من الغدر والخيانة، إلا قليلا منهم.
والخائنة في هذا الموضع: الخيانة، وهو اسم وضع موضع المصدر، كما قيل خاطئة: للخطأة، وقائلة: للقيلولة. وقوله: { إلا قليلا منهم } استثناء من الهاء والميم اللتين في قوله: { على خائنة منهم }. وبنحو الذين قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } قال: على خيانة وكذب وفجور. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } قال: هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل حائطهم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. حدثنا القاسم، ثنا الحسين، قال:ثني حجاج قال: ابن جريج، قال مجاهد وعكرمة: قوله: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } من يهود مثل الذي هموا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم. وقال بعض القائلين: معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، قال: والعرب تزيد الهاء في آخر المذكر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة، وأنشد:
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن
للغدر خائنة مغل الإصبع
Shafi da ba'a sani ba