17 «ونقول أيضا في الشعر والبلاغة الخطبية، إنه لا فائدة من علومنا فيها ولكنها نافعة في مواضع أخر من ترتيب الحروف نفسها.»
18 - وهذه تفرقة من جابر بن حيان كانت وحدها تكفي لنحييه عالما فيلسوفا له من دقة التحليل والتمييز ما يحاول بلوغه أصحاب مدرسة التحليل المعاصرة التي ينتمي إليها مؤلف هذا الكتاب.
نعود فنقول إنه لو بلغت اللغة حد كمالها المنطقي، لجاءت كلماتها مساوية لأشياء العالم الخارجي، ثم لجاءت أحرف الكلمات مقابلة لطبائع تلك الأشياء - ونحن نتكلم الآن بلسان ابن حيان - فلا زيادة فيها ولا نقصان؛ لكن الذي يحدث فعلا في اللغة القائمة المتداولة هو أنها بعيدة عن هذا الكمال، فكلمات زادت حروفها عن الأصل المطلوب، وكلمات أخرى نقصت حروفها عن الأصل المطلوب، وإذن فالخطوة الأولى التي يتحتم علينا البدء بها، إذا أردنا أن نستشف طبائع الأشياء الخارجية من أسمائها في اللغة، هي أن نسقط الزوائد من الكلمة إن كان فيها زوائد، أو أن نضيف النواقص إن كان فيها ما هو محذوف.
لكننا لكي نحذف أو نضيف، ينبغي أولا أن نستوثق من أصول الكلمات ما هي، ومن الأحرف الزائدة ما هي؛ فأما الأحرف الزائدة فهي عشرة، وهي: الهمزة، واللام، والياء، والواو، والميم، والتاء، والنون، والسين، والألف، والهاء - وهي حروف يجمعها قولك: «اليوم تنساه».
ويفصل جابر القول في هذه الأحرف الزائدة، فيقول:
19 «أما الميم واللام فمخصوص بهما الاسم، واللام يصحبها الألف وهما للتعريف ... وتزاد اللام أيضا في «الذي» ... أما الميم فإنها تزاد في مكرم ومستضرب وما شاكل ذلك ...»
وأما الهمزة فتزاد في أحمد وأفضل وهما اسمان، وفي أحسن وأكرم وهما فعلان؛ وإنما نريك ذلك - وليس مقصدنا تعليمك النحو - لأن من الأحجار والعقار والحيوان ما يقع اسمه كالاسم وما يقع اسمه كالفعل، فنريك الحروف التي هذه زائدة في الأفعال وزائدة في الأسماء؛ أو زائدة في الأسماء وأصلية في الأفعال، أو أصلية في الأسماء وزائدة في الأفعال، ليحكم على كل شيء بحكمه، والياء تزاد في «يعمل»
20
وهو اسم، وفي «يضرب» وهو فعل، والواو تزاد في «جوهر» وهو اسم، وفي «حوقل» وهو فعل، والتاء تزاد في «تنضب» وهو اسم، وفي «تضرب» وهو فعل، والنون تزاد في «نرجس» وهو اسم، وفي «نضرب» وهو فعل، والسين تزاد في «مستضرب» وهو اسم وفي «استضرب» وهو فعل، والألف تزاد في «مضارب» وهو اسم، وفي «ضارب» وهو فعل، والهاء تزاد في «قائمة» وهو اسم، وفي «ارمه» وهو للموقف.
ويضرب لنا جابر أمثلة كثيرة لأسماء مواد يراها هامة في تركيب الدواء، ليبين لنا أيها نعده أصيلا لا زيادة فيه، وأيها فيه الزيادة حتى نعمد إلى حذفها قبل أن نحسب ميزان الحروف، وهو ما نستدل به على طبيعة الدواء المستخرج من المادة المحسوب قدرها بهذا الميزان؛ ومن قبيل كلامه في هذا الباب قوله:
Shafi da ba'a sani ba