Istibsar

الاستبصار في عجائب الأمصار

Mai Buga Littafi

دار الشؤون الثقافية، بغداد

Shekarar Bugawa

1986 م

[خطبة الكتاب]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد كتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار

الحمد لله عالم الأسرار، غافر الإضرار، الواحد القهار، العزيز الجبار، المنزه الذي لا يقبض يديه سهاد الليل والنهار؛ نحمده حمد معترف بوحدانيته، ونشكره شكر مغترف من بحر نعمته، متقلب فى ظل رحمته.

ونصلى على نبيه سيدنا محمد المبعوث بالآيات الباهرة، والبينات القاهرة، الآخذ عن النار بالحجزات، الداعى إلى سبيل ربه بالآيات البينات، وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار، صلاة باقية إلى يوم الدين.

ونرضى عن نجله الأطهر «ا» ، وسليله الأبر، الإمام المهدى «1» ، الذي جدد رسم الدين بعد البلى، وجاهد فى سبيل الله حق جهاده وأبلى، وإلى طريق الحق [دعا] النفرى والجفلى؛ وعن الخلفاء الراشدين، أئمة الهدى، ومصابيح من رشد واهتدى. ونوالى الدعاء لخليفتهم المبارك الأسعد، سيدنا أمير المؤمنين يعقوب «2» بنصر تتصل أسبابه بسعادته، وفتح يسوقه القدر وفق إرادته.

وبعد، لما كان العلم أنفس ما يقتنى، وأشرف ما به يعتنى، لم يزل ينقله خلف عن سلف ويحمله ذو شرف عن ذى شرف، وجب أن يكون أفضل ما يهديه مهد أو يستهديه مهدى، رغبة فى الاتسام برسمه، والارتسام والدخول

Shafi 1

فى رعيته، والاستثئار بحيازة مآثر من تواريخ الأمم، وسير العرب والعجم، إذ كان المرء يقف منها على أخبار من غبر، وآثار من ذهب ودثر، ويشاهد ممالك ذهبت وبادت «ا» ، كأنها عادت إلى الحياة أو كادت:

لم يبق شىء من الدنيا أسر به ... إلا الدفاتر فيها الشعر والخبر

مات الذين لهم فضل ومكرمة ... وفى الدفاتر من أخبارهم آثر

وقديما وضع «ب» الناس التواريخ ورتبوها، ودونوا الأخبار وكونوها، حرصا منهم على نظم فرائدها وتقييد شواردها، وما زال واضعوها يتقلبون بين إكثار وإقلال، وإسهاب واختصار، وكلهم يجرى على طريقة إلى غاية يضيفها ويسطرها. وكثيرا ما خلد خدم العقلاء ملوك أزمنتهم بالتواريخ المؤلفة والتواليف المزخرفة، تفننا لمسراتهم وترضيا لمبراتهم، ولولا ذلك لم يحصل الأخر على علم الأول، ولا عرفت أخبار الملل والدول.

ولذلك رأيت الشيخ الأجل المعظم، الأغر الأسنى، الأمجد المكرم ، أبا «ج» عمران بن الشيخ الأرفع، المرحوم أبى يحيى بن وقتين «1» أدام الله علاهم، ووصل مجدهم وسراهم، قد أبرز على الفضلاء فضلا، وأربى على النبلاء نبلا، وزاد على أهل زمانه فى العلم والحلم، وغبطة بالعلم ووصل العلماء ومراضاة الفقهاء. وكانت همته السامية إلى طراف الأخبار، وإيثار أهل الآثار، إلى أن شادت بذلك الرفاق، وامتلأت بحديثه الآفاق، ونازعتنى الرغبة والتصدى لشكر النعمة، إلى أن أطرز باسمه كتابا يجمع بين الأخبار والصحائف، ويأخذ بطرفى شرائد الطرائف، متضمنا بذلك إحسانه، راجيا بذلك فضله وامتنانه بمنه حسبما أردته. و [لما] اتسق وصفه على ما اخترت، سميته بكتاب الاستبصار فى عجائب الأمصار، بعد أن قصدت فى أكثره التحقيق واطرحت فى مستودعه التلفيق.

Shafi 2

وابتدأت بمكة شرفها الله تعالى، وما يجب ذكره من وصف حرمها، وأسماء الجبال المحيطة بها، وذكر أرباضها، ووصف المسجد الحرام بحسب الوسع، وذرع الكعبة من خارج، ووصفها من داخل. ووصفت الصفا والمروة، وعرفة ومزدلفة، ومنى وجبل الرحمة، مع شريعة إبراهيم عليه السلام وصفة بطن محسر إلى غير ذلك من المناسك، وصفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ووصفت منبره عليه السلام، ووصفت عدد أبواب المسجد، وجميع ما فيه من العمد «ا» وعدد ما فيه من القناديل، ووصف روضته عليه السلام. ثم وصفت بقية المدينة، وروضة عثمان رضى الله عنه ووصفت مسجد قبا، وقبور الشهداء «ب» بأحد رحمة الله عليهم تبركا بذلك وتيمنا بالاستفتاح به.

ثم عدت إلى بلاد مصر وما فيها من العجائب، ووصفت نيل مصر وعدد أمياله، من وسطه إلى موقعه، وذكرت بناء الأهرامات والبرابى «ج» ومن بناها، وصورتها وطولها وعرضها وما صنع فيها من العجائب؛ وذكرت من عمرها من الملوك قبل الطوفان وما نزل بها بهذا الطوفان؛ وذكرت فتحها فى أيام سيدنا عمر «د» بن الخطاب رضى الله عنه. ثم عدت إلى مدينة الإسكندرية، ووصفت بناءها وصفة منارها وصفة المرآة التى كانت بها وبناءها وتداول الملوك عليها.

ثم ذكرت بلاد إفريقية وما فيها من العجائب، ووصفت مدينة قرطاجنة وآثارها وعجائبها، ووصفت البلاد الى آخر بلاد المغرب. وقسمت أقطارها قسمين، ورتبتها صنفين: فمنها الصحراوية أو ما قاربها، والساحلية وما يليها.

ولم أذكر شيئا مما سقته إلا ما كاد ينعقد على أكثره الإجماع، ويتفق عليه العيان والسماع، وللمولى أدام الله تأييده ووصل سعوده، أن يقدر عبده فيما أورده، ويحقق فيما رجاه أمله ومعتمده، فإنه وإن كان قد أنفذ وسعه فى الاختيار، وتوسط بين الإقلال والإكثار، حرى بالاحسان

Shafi 3

ظنا، ويرى التغميض عن هناته سنا، إذ هو فيما ذكر كمن حمل التمر إلى هجر «1» .

ومنك استعدنا كل غريبة، فأنت غريبة فى عيون الغرائب. وهذا حين أبتدىء بذكر ما أردته فيما أوردته، مستعينا بالله سبحانه، راجيا صفحه وغفرانه، والله سبحانه يمتع الأدب ببقاء المولى، ويشكره ما منح الخلق من يده وأولى:

الناس يهدون على قدرهم ... وإننى أهدى على قدركا

يهدون ما يفنى وأهدى الذي ... يبقى على الأزمان من فخركا

ذكر حدود حرم مكة شرفها الله «2»

حد الحرم من ناحية المدينة من ذى طوى «3» على ثلاثة أميال من مكة، وحده من طريق جدة على عشرة أميال، وحده من طريق اليمن على سبعة أميال، وحده من طريق العراق على ستة أميال، وحده من طريق الطائف على أحد عشر ميلا فعدد أميال الحرم 37 ميلا «4» ، ودور الحرم حول مكة 733 ميلا «5» ؛ وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى بالحرمين 15 مسجدا «6» .

Shafi 4

وصف مكة شرفها الله وأرباضها وأسماء الجبال المحيطة بها

3

جبل أبى قبيس «1» وهو جبل أدكن (أميل إلى البياض) ، فى رأسه منار يذكر أنه منار إبراهيم عليه السلام. وفى أصله الصفا «2» ومن عليه يرقى إليه، ليس «ا» له مرقى إلا على أربعة مواضع: على الصفا، وعلى شعب عمر، وعلى شعب على «3» رضى الله عنهما، وعلى شعب أجياد الصغير «4» ، ليس لأبى قبيس طريق يرقى إليه إلا من هذه الأربعة مواضع. وهو أحد الأخشبين «5» فيما يقال، ويقال إنه أول جبل خلقه الله تعالى ووضعه فى الأرض. وإنما سمى بأبى قبيس لأن رجلا كان يسكنه على قديم الدهر يكنى بأبى قبيس فنسب إليه ذلك الجبل. وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام، يقابل من مكة ويقابل من الكعبة الركن الأسود.

Shafi 5

ثم جبل الخندمة «1» وهو الجبل العالى المستعلى على أبى قبيس من ناحية الشرق، وهو «ا» جبل أحمر محجر فيه صخرة كبيرة بيضاء كأنها معلقة تشبه الإنسان إذا نظرت إليها من البعد، تراها من المسجد الحرام من باب السهميين «ب» الصغير. وفى ذلك الجبل تحصن أهل مكة يوم القرمطى «ج» «2» .

وأسفل «د» من ذلك الجبل، بينه وبين الجبل غار، شعب على رضى الله عنه.

ثم الجبل الأبيض «3» الذي على الأبطح إلى باب منى «4» ، ومن ذلك الجبل إلى الجبل الأحمر السور، وجعل هنالك بابين من خشب مصفحين بالحديد، وهما على المعلى «ر» «5» وهما المعروفان بباب منى.

وعند هذا الباب آبار «س» بعيدة الرشا يستقى الناس منها، وماؤها ليس بعذب

Shafi 6

جدا. وهذا الجبل الأحمر متصل من مسجد الخيف «ا» «1» إلى الحجون «2» وفيه الثنية العليا، وعند أصل الثنية بقيع مكة «3» . وفى شعب منه المحصب «4» فى حوز الشعب الذي يقابل الخيف الذي كان ينزل فيه من سلف من الصدر الأول عندهم من منى إلى آخر أيام التشريق «5» ، فيصلون الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وكذلك يدخلون مكة.

وقد صح عن «ب» النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك «6» .

Shafi 7

ثم الجبل الذي بظهر دار الندوة «1» يسمى قعيقعان «2» ، وهو الذي يقابل أبا قبيس، وهو جبل أخضر. وإنما يسمى قعيقعان لأن مضاض بن جرهم نزل به، ونزل السميدع بن جرهم بجبل أجياد، فدارت بينهما حرب عظيمة فى تلك الأيام، فكانت أجياد- أعنى من سكن بها وهو السميدع وآله- أول من جاد بالدم فى الحرم ودعا إلى القتل، وقالت العرب فيها أجياد لأنها «ا» أول من جادت بالدم.

ثم جبل أجياد «3» ، وهو الجبل العالى الأخضر الذي بغربى المسجد الحرام فى رأسه منار يذكر أن أبا بكر رضه أمر ببنائه «4» ، ينادى عليه المؤذن فى رمضان، ويقابل من الكعبة اليمانى؛ ويخرج إليه من باب إبراهيم عليه السلام «5» . وهو يقابل قعيقعان من ناحية الغرب.

Shafi 8

ثم جبل ابن عمران «1» ، وهو الجبل الأسود الذي بين أبى قبيس وأجياد، وهو خلفهما. ويظهر من البعد كأنه بينهما، يقابل من الكعبة الجدار اليمانى؛ وهو أميل إلى الركن اليمانى قليلا.

ثم جبل البكا «2» ، وهو خارج على الجبال المحيطة بمكة، وهو فى العطف الذي فى آخر ذى طوى، عن يمينك وأنت خارج تريد التنعيم «3» .

وهناك عن يسارك المتكا «4» ، وهو الحجر الذي قعد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - واستراح عند إقباله عليه فيما يذكر أهل مكة، رووه عن مشيختهم.

عدد أرباض مكة شرفها الله

ولمكة أربعة أرباض منها الحجون «5» وما حوله إلى المروة «6» ، وربض قعيقعان «7» وما حوله إلى باب ذى طوى «8» ، وربض أجياد الكبير «9»

Shafi 9

مع شعب أبى بكر رضه إلى المسفلة «1» إلى باب اليمانيين، ثم إلى الأبطح «ا» وما حوله من باب منى «2» إلى شعب على مع شعب عثمان «3» .

ذرع الكعبة كرمها الله من خارج

«4»

طول وجه الكعبة وهو الشق الذي فيه الباب، من الركن الأسود إلى الركن الشامى 27 ذراعا «5» . وعند الثلث الباقى من هذا الجدار من ناحية الركن الشامى، يوقف منبر الخطيب يوم الجمعة ويرفع فى سائر الأيام، وهو منبر كبير مفصل على ثلاثة قطع «6» . وطول مؤخرها وهو الشق الغربى، من الركن اليمانى إلى الركن الغربى، 27 ذراعا- طول الذراع الذي به هذا الذرع «ب» 20 أصبعا «7» . وعرضها من ناحية اليمانى إلى الركن الأسود 21 ذراعا

Shafi 10

Istibsar | Usul