صلى الله عليه وسلم
يجلجل في مكة يعد من يتبع صاحبة بكنوز عظمى وفتوحات أعظم، وقد ظل هذا النداء يتكرر حتى بعد قيام دولة الرسول النبوية الصغيرة في يثرب، خاصة في المناطق الصعبة وهو ما حدث في غزوة الخندق والمدينة محاصرة بالأحزاب قد يدخلونها على أهلها بين فينة وأخرى، وساعتها أعلن الرسول وعده للمؤمنين أن الله قد فتح عليه بلاد الفرس وبلاد الروم، وهو ما دعا مسلما أنصاريا هو «معتب بن قشير» ليعقب في المساحة الواقعة بين الوعد وبين واقع الحال، فيقول: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!» والرد كما هو واضح رد ساخر ينعى هما حاضرا لا ينبئ بمثل ذلك الوعد العظيم. لكن خط سير التاريخ كان مع صاحب الدعوة وأمله الكبير.
كانت مصر وساحل أفريقيا مع فلسطين وبلاد الشام جميعا تقع حينئذ تحت ظل عرش قيصر الروم، بينما كانت العراق وما والاها شرقا تقع تحت مظلة كسرى الفرس، وكل الدلائل تشير إلى فراغ سياسي واضح ناتج بالضرورة عن انهيار قوى الإمبراطوريتين بعد حروب دامت وطالت، ولا بد أن تملا هذا الفراغ قوة جديدة.
وقد وعى عرب الجزيرة الدرس وقرءوه بإمعان وأدركوا دورهم التاريخي المنتظر، فكانت دعوة النبي
صلى الله عليه وسلم
وكان الوعي النافذ لرجل من سادة الملأ القرشي عظيم، هو الشيخ «عتبة بن ربيعة» الذي كللت السنوات رأسه بالحكمة فقرأ خطوات التاريخ المقبلة قراءة واضحة بوعي ضفره موقعه القيادي في دار الندوة، فقام يحدد موقف الملأ القرشي من محمد ودعوته بندائه: «يا معشر قريش أطيعوني وخلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وما هو فيه فاعتزلوه؛ فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن ظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به.»
وهنا يطفر السؤال: هل كان معلوما لدى صاحب الدعوة، وفى خطة الوحي أن بلاد الحضارات الشرق أوسطية القديمة، مثل مصر والشام والعراق، ستقع ضمن حدود الدولة الإسلامية الإمبراطورية المنتظرة؟ وأنها ستتحول تماما لتصبح دولا عربية تتبنى العروبة لغة وثقافة وقومية بل وربما عنصرا؟
المشكلة أننا لو سلمنا بذلك لوقعنا في مأزق حرج بين ما يطلبه الإيمان وما تطلبه همومنا الوطنية والقومية اليوم؛ فنحن اليوم في أزمة حضارية طاحنة تستدعي تمسكا شديدا بالهوية مقابل الآخر الغاصب المتفوق، والهوية في مصر مصرية تضرب بجذورها آلافا من السنين في أزمنة غوابر، والهوية في العراق عراقية تضرب بحضاراتها المتعددة من كلديا إلى بابل وأشور وآكد في عمق الماضي فحازت العراقة لاسمها، وبلاد الشام بدورها لا يقل وجودها الحضاري القديم عن شأن جيرانها، ثم يجمع هؤلاء جميعا رابطة العروبة التي تحققت خلال قرون بعد الغزو العربي لها. لكن مكمن المشكلة أن اعتزازك بذلك القديم العريق الذي يحفظ لك التماسك النفسي والروحي ويضمن لك عدم فقد الذاكرة التاريخية، سيتصادم فورا مع موقف الوحي القرآني الذي كرم بني إسرائيل تكريما مقارنا طوال الوقت بأصحاب تلك الحضارات مع تسفيه هذه الحضارات لصالح التاريخ الإسرائيلي؛ لأنه يعتمد في موقفه على الإيمان والكفر وحدهما، وكانت تلك الحضارات حضارات كافرة برب الشعب الإسرائيلي؛ لذلك يغرق فرعون مصر وقومه المجرمون في لجج بحر ينشق بالعصا الحية؛ لأنه كفر برب موسى وهارون الإسرائيليين، وينهار برج بابل فوق نمرود وقومه لأنه جادل الحق الذي جاء به الخليل إبراهيم أرومة العبريين، ويموت جوليات الفلسطيني قتيلا وهو يدافع عن أرضه ضد الاستيطان الإسرائيلي لبلاده بقيادة الملك داود؛ لأن جوليات كان بدوره كافرا. ومن هنا تطرأ الأسئلة الملحة والمشروعة إيمانيا ووطنيا وقوميا، والتي تفرضها متغيرات واقع الأحوال منذ جاءت هذه المواقف وحيا مع بدء دعوة النبي
صلى الله عليه وسلم
وحتى الآن، أسئلة تبحث عن السواء النفسي والاتساق مع الذات ومع الإيمان ومع منطق الأحداث. تبغي التمدد في هويتها الحضارية القديمة العريقة احتماء وتماسكا، وتريد في الوقت ذاته احترام المقدس وقراره حتى تطمئن إلى ما وقر في القلب حتى يصدقه العقل ويطابقه العمل. وحتى يمكن ذلك سنحاول قراءة حركة التاريخ على مستويين: الحركة الأولى إبان تواتر الوحي في مكة والمدينة حتى وفاة الرسول
Shafi da ba'a sani ba