Jagorar Wawa

إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

... الحمد لله الذي أرشدنا إلى الدعاء للسلف الصالح بقوله : { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذبن سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم }(1) .

والصلاة والسلام على حبيبه المصطفى , الذي قال : ( لا تسبوا أصحابي , فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا , ما بلغ مد أحدهم ولا نصفيه )(2) وعلى آله الذين صح إجماعهم من طرق كثيرة على تعظيم الصحابة . وبعد :

[ تقدمة ]

فإنها لما خفيت على غالب أهل الزمان مذاهب أئمة الآل , وجهلت مصنفاتهم تقطع في الرحلة إلى مثلها أكباد الإبل , فلم يبق بأيدي أهل عصرنا من أتباعهم إلا القيل والقال , فلا تكاد ترى إلا رجلا قد رغب من جميع أصناف العلوم وهجر بخسة همته ودناءة نفسه الاشتغال بمنطوقها والمفهوم , أو آخر قد هجر من علوم العترة المطهرة الحديث والقديم , واشتغل بعض الاشتغال بعلوم غيرهم , فلم يفرق بين الصحيح والسقيم , أو رجلا ينتحل أتباعهم والانتساب إلى مذاهبهم , ولكنه قد قنع من البحر المتدفق بقطرة , وقصر همه على بالاشتغال بمختصر من مختصرات لديهم , فلم يحظ من غيره بنظرة , فحصل بسبب ذلك الخبط والخلط من الجم الغفير , ونسب إلى أهل البيت من المسائل ما يخالفه قول كبيرهم والصغير .

وكان من جملة ذلك تعظيم القرابة للصحابة , فإن كثيرا من العاطلين عن العلوم , يتجارى على ثلب أعراض جماعة من أكابر خير القرون , فإذا عوتب في ذلك قال : هذا مذهب أهل البيت ! . وذلك فرية عليهم , صانهم الله عنها , فإنهم عند من له أدنى إلمام بمذاهبهم مبرؤون عن هذه الخصلة الشنيعة .

Shafi 1

فأحببت بيان مذاهبهم في هذه المسألة بخصوصها , لأنها هي التي ورد فيها السؤال من بعض أهل العلم , ليستدل بذلك على صحة ما ذكرنا من اندراس معاهد علومهم الشريفة في هذه الأزمنة .

وقد اختصرت على مقدار يسير من نصوصهم , لأن الإكثار من دواعي الإملال , ولم أشتغل بإخراج الأدلة , لأن غرض السائل ليس إلا بيان ما يذهبون إليه من ذلك , فأقول :

إجماع أهل البيت على تحريم سب الصحابة

وسرده من اثني عشر طريقا

...

... قد ثبت إجماع الأئمة من أهل البيت على تحريم سب الصحابة , وتحريم التكفير والتفسيق لأحد منهم , إلا من اشتهر بمخالفته الدين , ليست بموجبة لعصمة من اتصف بها , بل على ما ذهب إليه الجمهور , بل هو إجماع كما حققنا ذلك في الرسالة المسماة ب( القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول ) .

... وهذا الإجماع الذي قدمنا ذكره عن أهل البيت يروى من طرق ثابتة عن جماعة من أكابرهم :

الأولى : عن الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني , فإنه روى عن جميع أبائه من أئمة الآل تحريم سب الصحابة , حكى ذلك عنه صاحب ( حواشي الفصول ) .

الثانية : قال المنصور بالله عبدالله بن حمزة في رسالته في جواب المسألة التهامية بعد أن ذكر تحريم سب الصحابة ما لفظه : وهذا ما يقضي به علم آبائنا إلى علي عليه السلام .

... ثم قال فيها ما لفظه : وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء سب الصحابة رضي الله عنهم والبراءة منهم , فتبرأ من محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لا يعلم :

فإن كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... * ... تصيب جانحات النبل كشحي ومنكبي

انتهى .

قال في ( الترجمان ) عند شرح قوله في الصحابة :

Shafi 2

ورض عنهم كما رضى أبو الحسن ... * ... أو قف عن السب إن ما كنت ذا حذر ما لفظه : قال المنصور بالله عبدالله بن حمزة : ولا يمكن أحد أن يصحح دعواه على أحد من سلفنا الصالح أنهم نالوا من المشايخ أو سبوهم , بل يعتقدون فيهم أنهم خير الخلق بعد محمد وعلي وفاطمة صلوات الله عليهم وسلامه , ويقولون : قد أخطؤوا في التقدم , وعصوا معصية لا يعلم قدرها إلا الله سبحانه , والخطأ لا يبرأ منه إلا الله وحده { وعصى آدم ربه فغوى }(1) فإن حاسبهم فبذنب فعلوه وإن عفى عنهم فهو أهل العفو وهم يستحقونه بحميد سوابقهم اه .

الثالثة : قال المؤيد بالله يحيى بن حمزة عليه السلام في آخر التصفية ما لفظه : تنبيه : إعلم أن القول في الصحابة على فريقين :

القول الأول : مصرحون بالترحم عليهم والترضية , وهذا هو المشهور عن أمير المؤمنين , وعن زيد بن علي , وجعفر الصادق , والناصر للحق , والمؤيد بالله , فهؤلاء مصرحون بالترضية والترحم والموالاة , وهذا هو المختار عندنا , ردا للفاعلية , وذكرنا أن الإسلام مقطوع به لا محالة , وعروض ما عرض من الخطأ في مخالفة النصوص ليس فيه إلا الخطأ لا غير , وأما كونه كفرا أو فسقا , فلم تدل عليه دلالة شرعية , فلهذا أبطل القول به , فهذا هو الذي نختاره ونرتضيه مذهبا , ونحب أن نلقى الله به ونحن عليه .

الفريق الثاني : متوقفون عن الترضية والترحم , وعن القول بالتكفير والتفسيق , وهذا دل عليه كلام القاسم والهادي وأولادهما , وإليه أشار كلام المنصور بالله , فهؤلاء يحكمون بالخطأ ويقطعون به ويتوقفون في حكمه .

فأما القول بالتكفير والتفسيق في حق الصحابة , فلم يؤثر عن أحد من أكابر البيت وأفاضلهم , كما حكيناه وقررناه , وهو مردود على ناقله اه .

Shafi 3

... وقال الإمام يحيى بن حمزة أيضا في رسالته ( الوازعة للمعتدين عن سب أصحاب سيد المرسلين ) بعد أن حكى عن أهل البيت أنهم لم يكفروا ولم يفسقوا من لم يقل بإمامة أمير المؤمنين , أو تخلف عنه أو تقدمه ما لفظه : ثم إن لهم بعد القطع بعدم التكفير والتفسيق مذهبين :

الأول : مذهب من صرح بالترحم والترضية , وهذا هو المشهور عن علي , وزيد بن علي , وجعفر الصادق , والباقر , والناصر , والمؤيد بالله , وغيرهم وهو المختار عندنا .

ثم قال :

الثاني : من توقف عن الترضية والترحم والإكفار والتفسيق , وإلى هذا يشير كلام القاسم , والهادي وأولادهما , والمنصور بالله , لأنهم لما قطعوا على الخطأ ولم يدل دليل على عصمتهم , فيكون الخطأ صغيرة في حقهم , جاز إن لم يكن خطؤهم كبيرة , فلذلك توقفوا عن الترضية .

قال : ونقابله على أنا قاطعون على إيمانهم قبل هذه المعصية فنستصحب الأصل ولا ننتزع عنه إلا لدلالة قاطعة على كفر أو فسق .

قال : وما روي عن المنصور بالله أنه قال : من رضي عنهم , فلا تصلوا خلفه , ومن سبهم , فاسألوه : ما الدليل ؟ .

الرواية المشهورة : من سبهم , فلا تصلوا خلفه , ومن رضي فاسألوه ما الدليل ؟.

انتهى كلام الإمام يحيى عليه السلام , وقد بالغ في كتابه المسمى ب( التحقيق في الإكفار والتفسيق ) في الاستدلال على جواز الترضية , وكذلك في سائر كتبه الكلامية .

قال الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم في ( الإيضاح ) : واعلم أن القائلين بالترضية من أهل البيت هم : أمير المؤمنين والحسن والحسين وزين العابدين علي بن الحسين والباقر والصادق وعبدالله بن الحسن ومحمد بن الحسن ومحمد بن عبدالله النفس الزكية وإدريس بن عبدالله وزيد بن عبدالله وزيد بن علي وكافة القدماء من أهل البيت .

زمن المتأخرين : سادة الجيد : المؤيد بالله وصنوه بن طالب والناصر الحسن بن علي الأطروش والإمام الموفق بالله وولده السيد المرشد بالله والإمام يحيى بن حمزة .

Shafi 4

ومن المتأخرين باليمن : الإمام المهدي : أحمد بن يحيى والسيد محمد بن إبراهيم وصنوه الهادي والإمام أحمد بن الحسين والإمام عز الدين بن الحسن والإمام شرف الدين وغيرهم .

وسائر الأئمة يتوقف : كالهادي والقاسم , مع أن في رواية الهادي الترضية .

والمنصور بالله عبدالله بن حمزة له قولان : التوقف كما في الشافي والترضية كما في الجوابات التهامية .

وكثير منهم لا حاجة لنا إلى تعداد أعيانهم , لأنه يكفي القول الجملي بأن أئمة أهل البيت كافة بين متوقف ومترض , ولا يرى أحد منهم السب للصحابة أصلا , يعرف ذلك من عرف انتهى بلفظه .

الرابعة : حكى السيد الهادي بن إبراهيم الوزير في كتابه المعروف ب( تلقيح الألباب ) : أنه سأل الإمام ناصر محمد بن علي المعروف بصلاح الدين عن المتقدمين لأمير المؤمنين وسائر من خالفه ؟ فأجاب بأن مذهب أئمة الزيدية القول بالتخطئة لمن تقدم أمير المؤمنين .

... قال : وهؤلاء فرقتان : فرقة تقول باحتمال الخطأ , ويتوقفون في أمرهم , وفرقة يتولونهم ويقولون : إن خطأهم مغفرة في جنب مناقبهم وأعمالهم وجهادهم وصلاحهم .

... وقال : وهذا القول الثاني هو الذي نراه إذ هم وجوه الإسلام وبدور الظلام .

... وحكى السيد الهادي في ذلك الكتاب عن الإمام المهدي علي بن محمد بن علي والد صلاح الدين : أنه سئل عمن تقدم على أمير المؤمنين أو خالفه ؟ . فأجاب بأن مذهب جمهور الزيدية أن النص وقع على وجه يحتاج في معرفة المراد به نظر وتأمل , ولا يكفرون من دافعه , ولا يفسقونه ... إلى آخر كلامه في ذلك .

... ولا يخفى أن حكاية ذلك عن جمهور الزيدية لا تنافي حكاية غيره عن له جميعهم , لأن الحاكي عن الجميع ناقل للزيادة , وقبولها متحتم , وغاية ما عند ما حكي عن البعض أو الأكثر أنه لم يعلم بأن ذلك قول الجميع , وعدم العلم ليس علما بالمعدوم , وقد علم غيره ذلك ومن علم حجة على من لم يعلم .

Shafi 5

الخامسة : قال يحيى بن الحسين بن القاسم بن محمد في كتابه الإيضاح لما خفي من الإتفاق على تعظيم الصحابة , بعد حكاية مذهب أهل البيت ما لفظه : وإذا تقرر ما ذكرنا , وعرف أقوال أئمة العلم الهداة , علم من ذلك بالضرورة التي لا تنتفي بشك ولا بشبهة : إجماع أئمة الزيدية على تحريم سب الصحابة , لتواتر ذلك عنهم والعلم به , فما خالف ما علم ضرورة لا يعمل به .. إلخ .

السادسة : ... حكاها السيد إدريس في كتابه المعروف ب( كنز الأخيار ) .

السابعة : حكاها الديلمي من كتاب ( إعتقاد آل محمد ) .

الثامنة : حكاها حميد بن أحمد المحلي في كتابه ( عقيدة أهل البيت ) .

التاسعة : حكاها السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد في ( المسائل التي اتفق عليها الزيدية ) .

العاشرة : حكاها الكني في كتاب ( كشف الغلطات ) له .

الحادية عشر : حكاها الإمام شرف الدين في مقدمة ( الأثمار ) .

الثانية عشر : حكاها القاضي عبدالله الدواري في كتاب ( السير ) من آخر الديباج اه .

... فهذه طرق متضمنة لإجماع أهل البيت من أئمة الزيدية ومن غيرهم , كما في بعض هذه الطرق , والناقل لهذا الإجماع ممن أسلفنا ذكره من أكابر أئمتهم .

[ نصيحة ونداء إلى كل من أفسد دينه ]

... فيا من أفسد دينه بذم خير القدوة ! أقتديت بالكتاب العزيز كذلك في هذه الدعوى ؟ من كان له في معرفة القرآن أدنى تبريز , فإنه مصرح بأن الله جل جلاله قد رضي عنهم , ومشحون بمناقبهم ومحاسن أفعالهم , ومرشد إلى الدعاء لهم .

Shafi 6

... وإن قلت : اقتديت بسنة رسول الله المطهرة , قام في وجه دعواك الباطلة العاطلة ما في كتب السنة الصحيحة من مؤلفات أهل البيت وغيرهم , من النصوص المصرحة بالنهي عن سبهم , وعن أذية رسول الله صلى الله عليه و- صلى الله عليه وسلم - سلم بذلك , وأنهم خير القرون ، وأنهم من أهل الجنة ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات وهو راض عنهم ، وما في طي تلك الدفاتر الحديثية من ذكر مناقبهم الجمة , كجهادهم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وبيعهم نفوسهم وأموالهم من الله , ومفارقتهم للأهل والأوطان والأحباب والأخدان , طلبا للدين وفرارا من مساكنة الجاحدين , وكم يعد العاد من هذه المناقب التي لا يتسع لها سجلات , ومن نظر في كتب السير والحديث , عرف من ذلك ما لا يحيط به الحصر .

... وإن قلت أيها الساب لخيرة هذه الأمة من الأصحاب : إنك اقتديت بأئمة أهل البيت في هذه القضية الفظيعة , فقد حكينا لك في هذه الرسالة إجماعهم على خلاف ما أنت عليه من تلك الطرق .

... وإن قلت إنك اقتديت بعلماء الحديث , أو علماء المذاهب الأربعة , أو سائر المذاهب , فلتأتنا بواحد يقول بمثل مقالتك ! فهذ كتبهم قد ملأت الأرض , وأتباعهم على ظهر البسيطة أحياء , وقد اتفقت كلمة متقدميهم ومتأخريهم على أن من سب الصحابة مبتدع , وذهب بعضهم إلى فسقه , وبعضهم إلى كفره , كما حكى ذلك جماعة من علمائهم , منهم ابن حجر الهيتمي , فإنه ذكر في كتابه المعروف ( بالصواعق المحرقة ) أن كثيرا من الأئمة كفروا من سب الصحابة .

... وإن قلت أيها الساب : إنك قد اقتديت بفرقة من غلاة الإمامية , فنقول :

[ الروافض ]

صدقت , فإن فيهم فرقة مخذولة تصرح بسب أكابر الصحابة , وقد أجمع على تضليلهم جميع علماء الإسلام من أهل البيت وغيرهم , وهم الرافضة , الذين رويت الأحاديث في ذمهم .

Shafi 7

... فمن جملة من روى ذلك : الإمام الأعظم الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام , فإنه روى في كتابه ( الأحكام ) في كتاب الطلاق منه بسنده المتصل بآبائه الأئمة الأعلام إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( يا علي ! يكون في آخر الزمان فرقة لهم نبز يعرفون به , يقال لهم الرافضة , فإذا لقيتهم , فاقتلهم , قتلهم الله , فإنهم كافرون ) أو كما قال .

... فهذا الإمام الأعظم يروي هذا الحديث عن آبائه الأئمة حتى قيل أنه لم يكن في كتابه الأحكام حديث مسلسل من أول إسناده إلى آخره إلا هذا الحديث , ذكر ذلك العلامة محمد بن إبراهيم الوزير وغيره , وفيه التصريح بكفرهم .

... فكيف اقتديت أيها المغرور في مثل هذه المسألة التي هي مزلة الأقدام بمثل هذه الفرقة ؟! .

... فكيف تزعم أنك متبع لأهل البيت وهم مخالفون للإمامية , ومصرحون بشتمهم , ومتوجعون من اعتقاداتهم الفاسدة ؟! .

... ولقد بالغ المؤيد بالله في ذلك , حتى صرح في كتابه المعروف ب( الإفادة ) , وكذلك في ( شرح التجريد ) , صرح في مواضع بعدم قبول رواية الإمامية اه .

... فإنها لا تقبل الأخبار المروية من طريقهم , لأنهم يعتقدون أن كل ما يروى عن كل من يشار إليه من أئمتهم يجوز أن يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

... وقد بالغ الإمام الهادي في التوجع منهم في كتبه .

... فإن قلت : ومن أين لك أنهم الرافضة ؟ .

... فأقول : قال في ( القاموس ) : الرافضة فرقة من الشيعة , بايعوا زيد بن علي , ثم قالوا تبرأ من الشيخين , فأبى , وقال : كانا وزيري جدي , فتركوه , ورفضوه , وارفضوا عنه , والنسبة رافضي .. اه .

Shafi 8

... فتقرر بهذا أن الرافضي من رفض ذلك الإمام لتركه لسب الشيخين , والإمامية يسبون الشيخين وجمهور الصحابة , بل وسائر المسلمين , ما عدا من كان على مثل اعتقادهم , ويسبون أيضا زيد بن علي , وينتقصونه , كما يعرف ذلك من له إلمام بكتبهم .

... وقال النووي في شرح مسلم في مباحث المقدمة ما لفظه : وسموا رافضة من الرفض , وهو الترك . قال الأصمعي وغيره : لأنهم رفضوا زيد بن علي وتركوه .

... وهكذا صرح جماعة من العلماء بأن الرافضة هم هؤلاء , وصرح جماعة أيضا بأن الرافضة هم الذين يسبون الصحابة من غير تقييد .

... ويا لله العجب من هذه الفرقة ! كيف تبلغ بهم محبة أمير المؤمنين إلى ما لا يرضاه ؟! بل إلى ما هو على خلافه , كما أسلفناه عن الإمام يحيى : أن مذهب أمير المؤمنين جواز الترضية .

... وقد حكى الإمام عبدالله بن حمزة في كتابه ( الكاشف للإشكال الفارق بين التشيع والإعتزال ) ما لفظه : والمسلك الثاني : أن أمير المؤمنين هو القدوة , ولم يعلم من حاله عليه السلام لعن القوم , ولا التبرؤ منهم , ولا تفسيقهم , يعني المشايخ .

... قال : وهو قدوتنا , فلا نزيد على حده الذي وصل إليه , ولا ننقص شيئا من ذلك , لأنه إمامنا وإمام المتقين , وعلى المأمور إتباع آثار إمامه , واحتذاء أمثاله , فإن تعدى , خالف وظلم اه .

... وقد حكى هذا الكلام بألفاظه السيد الهادي , وحكى في الصحابة أن عليا عليه السلام كان يرضى عنهم , فقال :

ورض عنهم كما رضى أبو الحسن ... * ... أو قف عن السب إن ما كنت ذا حذر

وروى الإمام المهدي في ( يواقيت السير) : أنه حين مات أبو بكر , قال عليه السلام : رضي الله عنك , والله لقد كنت بالناس رؤوفا رحيما اه .

Shafi 9

وقد روى أئمة الحديث والسير عن أمير المؤمنين : أنه كان يرضى عن الصحابة , ويترحم عليهم , وكان يمدحهم ويبالغ في الثناء عليهم , وذلك أمر معروف عند أهل العلم , ولكنا اقتصرنا على نقل كلام أولئك الأئمة من أولاده , لأن روايتهم أقطع لعرق الشك , وأصم لداء اللجاج من رواية غيرهم .

... فهل يليق لمن يعد نفسه من شيعة أمير المؤمنين أن يخالفه هذه المخالفة , فيلعن من كان يرضى عنه ويترحم عليه ؟! .

... وهل هذا إلا من المعاندة والمخالفة لهديه القويم , والخروج عن الصراط المستقيم ؟! .

... فأي خير في تشيع يفضي إلى مثل هذا ويوقع في الهلكة كما ورد : أنه يهلك فيه عليه السلام فرقتان : محب غال , ومبغض غال .

... وفرقة الإمامية هي الفرقة التي غلت في المحبة فهلكت , فمن اقتدى بهم , فهو من جملة الهالكين , بنصوص الأحاديث الصحيحة , وتصريح علماء الدين .

... فيا من يدعي أنه من أتباع الإمام زيد بن علي ! كيف لا تقتدي به ذلك المنهج الجلي ؟!

... ألا ترى كيف رضي بمفارقة تلك الجيوش التي قامت تنصره على منابذة سلاطين الجور , ولم يسمح بالتبري من الشيخين أبي بكر وعمر ؟! بل احتج على الرافضة بأنهما كانا وزيري جده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ولا شك أنه يؤلم الرجل ما يؤلم وزيره , ومن أهان الوزير فقد أهان السلطان .

... ولهذا قال المنصور بالله في كلامه السابق : من تبرأ من الصحابة . فقد تبرأ من محمد .

... ولقد قال الإمام المهدي في ( القلائد ) : إن قضاء أبي بكر في فدك صحيح .

... وروى في هذا الكتاب عن زيد بن علي : أنه قال : لو كنت أبا بكر لما قضيت إلا بما قضى به أبو بكر .

... فتصحيح الإمام المهدي لقضاء أبو بكر , وقول زيد بن علي هذه المقالة , يدل على أنه عدل مرضي , ولو كان عندهما على خلاف ذلك , لما كان حكمه صحيحا .

Shafi 10