467

Intisar

الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197

Yankuna
Yaman

وهكذا فإنه لو فرك منيا يابسا ثم صلى به من دون غسله فإنه يكون طاهرا على رأي أبي حنيفة وأصحابه، ويكون نجسا على رأي أئمة العترة. ولو صلى وعلى ثوبه مني فإنه يكون طاهرا على رأي الشافعي، ويكون نجسا على رأي أئمة العترة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهلم جرا إلى سائر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل القبلة في جميع ما ذكرناه من النجاسات، فكلها حق وصواب، لا تقطع الموالاة فيما بين الأمة، ولا توجب بطلان الاقتداء في الصلاة، ويدل على ما قلناه حجج ثلاث:

الحجة الأولى: هو أن هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف لا يخلو حالها إما أن يكون فيها حق معين هو مطلوب لله تعالى، أو لا يكون هناك حق معين، فإن كان الأول فإما أن تكون عليه دلالة أو لا تكون عليه دلالة، فإن لم ينصب الله عليه دلالة فلا معنى للتكليف به؛ لأن التكليف به من غير دلالة تكون منصوبة عليه يكون تكليفا لما لا يعلم وهو محال، وإما أن تكون هناك عليه دلالة فسواء كانت معلومة أو مظنونة، فلا بد أن تكون معلومة لنا معروفة حتى يمكننا العمل بها. والذي في هذه المسائل ليس من الأدلة القطعية أصلا؛ لأن القطع إنما هو النص المقطوع بأصله، ومعتمدنا في هذه المسائل ليس إلا أخبار آحادية وأقيسة ظنية، كل واحد منها لا ينتهي إلى القطع ولا يترجح بعضها على بعض في مطلق الظن إلا بالإضافة إلى آراء المجتهدين من غير أن تكون هناك دلالة قاطعة، وما هذا حاله فليس فيه مطلوب معين لله تعالى، لاستوائها كلها في كونها مطلوبة لا ترجيح لبعضها على بعض، بالإضافة إلى مراد الله تعالى، وبالإضافة إلى ما كلفنا [به]، فصح بما ذكرناه أنه لا مطلوب لله تعالى في هذه المسائل يكون معينا، وإذا لم يكن هناك مطلوب معين كانت كلها مطلوبة، وهذا هو مرادنا بالتصويب في الآراء الاجتهادية.

الحجة الثانية: لو كان في هذه المسائل حكم معين لله تعالى للزم من ذلك محال، وهو أنه يلزم من ذلك بطلان التولية مع المخالفة في الاجتهاد، والمعلوم أن أمير المؤمنين (كرم الله وجهه) ولى شريحا القضاء مع مخالفته له في كثير من المسائل، وهكذا سائر الصحابة (رضي الله عنهم) كأبي بكر وعمر وعثمان فإنهم ولوا الولاة مع اختلافهم في هذه المسائل، وكان يلزم التخطئة والتضليل لبعضهم بعضا في هذه المسائل، لأن هناك - على رأي الخصم - حقا لله تعالى معينا، والمعلوم أنه لم يكن شيء من ذلك بينهم.

Shafi 475