Intisar
الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197
Nau'ikan
وهذا هو المختار عندنا، والمعتمد فيه أنا نعلم قطعا بتواتر النقل من جهة الصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا والذي وقع فيه الخلاف أنهم كانوا مسوغين للعوام العمل على أقوال المجتهدين من الصحابة، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه كلفهم طلب الأدلة الغامضة، ولا يفرقون في ذلك بين ما كان فيه دليل قاطع وبين ما ليس فيه دلالة قاطعة في تسويغ العمل، وهذا ظاهر من عادة الصحابة ومن بعدهم من التابعين لا يختلفون فيه، وأيضا فإنا لو كلفنا العوام النظر في المسائل ومعرفة أحكامها ومنعناهم عن التقليد، لاحتاج كل واحد منهم إلى معرفة ذلك وإدراكه والوقوف على حقيقته، وفي ذلك تكليفهم ما ليس في وسعهم، ويؤدي إلى اشتغالهم عن طلب المعاش وإبطال كل أعمالهم، وهذا ساقط لا يعول عليه، فثبت بما ذكرناه جواز تقليد العوام للعلماء وبطلان كونهم ناظرين في هذه الأدلة لما ذكرناه، وسواء كان من يقلدونه في المسائل العملية حيا أو ميتا إذا كان بالغا درجة الاجتهاد، فإنه يجوز لهم ذلك، وحكي عن الجماهير من العلماء أنه لا يجوز تقليد الميت ولا العمل على رأيه، وأن تقليد الحي أولى وأحق، وزعموا أنه لا قول لميت، بدليل أن الإجماع ينعقد من دونه ولا ينعقد مع كونه حيا.
ووجه آخر: وهو أن الميت لا يدرى حاله هل يكون مستمرا على اجتهاده لو كان حيا أو يكون راجعا عنه، فالعمل عليه والحال هذه يكون عملا على الشك وهو باطل.
والمختار عندنا: هو جواز العمل على رأي من مات من أهل الاجتهاد من علماء العترة وفقهاء الأمة، كأبي حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (رحمهم الله تعالى) ومعتمدنا في الدلالة على ذلك أمران:
أحدهما: من جهة الضرورة، وحاصله أن الاجتهاد لما كان متعذرا في زماننا هذا لقصور همم أهله عن بلوغ غايته، فلا جرم تحكم الضرورة بتقليد من سلف من الأئمة والفقهاء، إذ لو لم نقلدهم لأدى ذلك إلى بطلان التقليد في حق العوام، لشغور الزمان عمن يكون من أهل الاجتهاد، إذ لا خلاف في صلاحية من سلف من علماء العترة وفقهاء الأمة للاجتهاد، وكونهم من أهله، وأن أحدا في زماننا هذا لا يلحق بأدناهم درجة في ورع ولا تقوى ولا نفوذ بصيرة، فلهذا كانوا أحق من غيرهم فضلا عن جواز ذلك.
Shafi 170