وعند القوم آلهة وشبه آلهة كثيرون لا شبيه لهم عند العرب، فلم توضع لهم أسماء خاصة بهم، فحيثما أتيت على لفظة من مثل هذا رجعت إلى معنى اللفظة اليونانية، وعربتها بما رادف ذلك المعنى أو قاربه، فدعوت ربات الغناء ومنشدات الآلهة «القيان» والقينة في العربية الجارية المغنية، ودعوت ربات اللطف البهجات والخرائد، فاللفظة الأولى أخذا عن مفاد المعنى، واللفظة الثانية تشبيها بالكلمة اليونانية التي تماثلها في اللفظ (Χαριτες)
كما أوضحت في الشرح.
وأما الموصوفات العلوية الموضوعة لمعنى معين، فقد سميتها بأسمائها التي تنطبق عليها في العربية، فسميت آلهة الفتنة «فتنة» ورب الهول «هولا» وإله الشقاق «شقاقا» والساعات «ساعات» والصلوات «صلوات» وهلم جرا.
التراكيب الوصفية
وفي الإلياذة تراكيب وصفية ملازمة لكثير من أعلامها، وقد يكثر تكرارها فيها إلى حيث يكره ذلك في العربية كوصف آخيل بخفة القدم، ووصف هكطور بهز الخوذة، والقول في نسطور أنه راعي الشعب، وفي زفس أنه أبو الآلهة والبشر، ففي مثل هذه الأحوال خففت التكرار وانتقيت ألفاظا حسبتها خفيفة على المسمع العربي فقلت: طيار الخطى، وهياج التريكة وما أشبه.
تعريب الأعلام
ثم إنه لم يكن بالأمر السهل تعريب الأعلام بما لا يمجه الذوق العربي وخصوصا أني أعلم أن قارئ أمثال الإلياذة لا بد أن يستثقل في أول الأمر توالي أعلام أعجمية لم يألف سمعه شيئا منها، ولكنه إذا نفر من تلاوتها أولا لا يلبث أن يألفها بعد تلاوة قصيدة أو بعض قصيدة.
وقد كانت لي هذه الأعلام في النشيد الأول عثرة في سبيل إحكام النظم، فكان لا بد من وضع أصول اعتمد عليها في سائر الأناشيد وليس في كتب العرب ما يماثل هذه الأصول، وإن في كتاب سيبويه بابا للتعريب، ولكنه اقتصر في معظمه على تتبع بعض الألفاظ مما استعمله العرب من أعلام الأعاجم وغيرها، والنظر في ما ألحق منها بالبناء العربي كبهرج، وجورب، ودينار، وديباج، ويعقوب، وإسحاق، وما لم يلحق به ككركم وخرم، وخراسان.
وجميع ما كتب الخفاجي في شفاء الغليل، وأبو حيان في ارتشاف الضرب من لسان العرب، والثعالبي في فقه اللغة، والسيوطي في المزهر، وغيرهم ممن طرق هذا الباب لا يكاد يتعدى الألفاظ الفارسية وقليلا من غيرها، ومحصله أيضا أنه لم يضع العرب قواعد مطردة يمكن الرجوع إليها في مثل هذه الحال، وإذا أردنا القياس على ما جاء في الكتب العربية من الأعلام اليونانية زادت المعضلة إشكالا، فإن أيدي النساخ قد لعبت بها كل ملعب هذا فضلا عن أنهم لم يجروا بها على نمط معلوم في زمن من الأزمنة إلا في أحوال محصورة وأسماء مشهورة، وزد على هذا أن أكثر أعلام الإلياذة غير مذكور في كتب العرب، ولا ريب عندي أن المعربين والمؤرخين توخوا ما أمكن حسن التطبيق في تعريب الأعلام، ولكن عدم جريهم على خطة واحدة وسنن معلوم ذهب بذلك الجهد ضياعا، فقالوا مثلا: «أرسطاطاليس، وأرسطوطاليس، وأرسطاليس، وأرسطوليس» وبتروه أيضا، فقالوا: «أرسط». وقالوا: «أسقليبيوس، وإسكولابيوس، وإسكليب، وأسقولاب» وأمثال ذلك كثيرة في النثر فما بالك لو نظمت شعرا.
تلاعب النساخ
Shafi da ba'a sani ba