Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما قوله: وأن الحجة على تقدير كون ما مصدرية قائمة ...إلخ، فقد عرفت فيما سلف بطلانه، وأنا نقول: بل لا حجة في الآية للمجبرة على تقدير كون ما مصدرية أيضا لما بيناه من أنه يطلق العمل على المعمول في المجاز المشهود، كما يقال هذا السيف عمل الحداد فلان، وهذا الدملج من عمل الصانع فلان، من دون مانع لإطلاقك اسم العمل على نفس جوهر المعمول، فيكون المعنى على تقديرها مصدرية أيضا والله خلقكم وخلق الأحجار، وتقديره خلقكم وخلق عملكم أي الأحجار التي وقع عملكم، وكيف لا تحمل على هذا والجبر باطل بضرورة العقل والنقل، وسيعترف الموصوف ...إلخ، فمن الباطل على جانب قد أوضحنا طرفا منه فيما سلف وهوب بين لكل مميز كبطلان ما افتراه عليهم من هذا القياس المشار إليه بقوله، كما أنا لما كنا موصوفين بمالم يخلقه الله تعالى وفيه فسادا آخر وباطل غير مامر وهو أنه لايخلوا إما أن يكون هؤلاء العباد الأصنام على طريقة المعتزلة في خلق الأفعال كما هو ظاهر ما جنح إليه المعترض من هذا المقال، أو أن يكونوا على طريقة الأشاعرة ونحوهم من المجبرة، إن كان الأول فهم وإن كانوا [464]يرون أن الأشكال والصور القائمة بالأصنام أعمالهم على ما هو مذهب المعتزلة؛ لكنهم إذا سمعوا قوله: {أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعملون} ما تبادر إلى أذهانهم إلا ما تبادر إلى ذهن صاحب الكشاف، وذهن المؤلف، وهو المتبادر عند كل ذي فطرة سليمة، من أن المخلوق لله تعالى هي أجسام الأصنام والأحجار المنحوتة مثلا لاستحالة أن يكون المراد مجموع الأجسام والأشكال القائمة بها؛ لأن ذلك يستلزم توارد المؤثرين على أثر واحد وهو محال، وحينئذ فإذا كانوا قد اعتقدوا أن الأصنام إنما استحقت العبادة لاختصاصها بالأشكال التي هي من فعل غير لاله كما زخرفه المعترض فلا تقوم هذه الآية حجة ولا شبهة أصلا، فإنها بمعزل عنه، وإ، كان الثاني أي أنهم على طريقة الأشاعرة وكونهم من المجبرة فكذلك لا تكون الآية حجة عليهم؛ لأنها حينئذ تدل على أن الأشكال القائمة بالأصنام خلق لله تعالى وهم لاينكرون ذلك، ولايدعون لهم فيها كسبا؛ لأنها خارجة عن محل الكسب، فالاحتجاج عليهم بهذه الآية بمثابة السماء فوقنا والأرض تحتنا، بل لايصح اعتقادهم لتأثر غير الله تعالى في شيء من الأفعال بل تكون هذه الآية مضرة عليهم إذا كانوا على طريقة الأشاعرة؛ لأنها ترشدهم إلى أن مذهب المعتزلة هو الحق؛ لأن هذه الآية أضافت عمل الأشكال إليهم، وهذا مذهب المعتزلة، والمعترض متخبط في غفلة قلبه ودينه، ومما يقضي منه العجب قياس الأشكال على الأعمال وأين هذا من ذاك، وأين السمك من السماك.
Shafi 988