Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما ثالثا: فلأن العمل الذي أسنده الله إلى العباد إن كان هو نفس الحلية أي كونهم محلا لما أحدثه الله تعالى من العلم كما هو مذهبهم لم يصح أن يسمى عملا لهم، وإلا لصح أن يسمى العلم الحاصل في المكان والزمان عملا للزمان والمكان كما مر ، وهو ممتنع إجماعا، وإن كان شيئا وراء هذه المحلية امتنع أن يكون مخلوقا لله تعالى؛ لأن ذلك يستلزم أثر بين مؤثرين تامين، والأشاعرة لا يخالفون في امتناعه، وإنما يجدون مقدور بين قادرين من جهتين كما مر، أي قادر محصل مؤثر، وقادر وكاسب بزعمهم، ولا معنى لكونه كاسبا كونه محلا للعمل الذي يحصله فيه غيره، وهوالباري تعالى، فيكون في التحقيق خارجا عن مقدورين قادرين، وإنما يكون مقدورا مقدور محل للمقدور، ولا شك في أن كل مقدور كذلك، إذ العمل لابد له من محل يحصل فيه، فاتضح بهذا أن العمل الذي أسنده الله إلىالعباد إن كان شيئا وراء المحلية المذكورة امتنع أن يكون مخلوقا له تعالى اتفاقا فافهم، فإنه لايخلو عن دقة هذا، وكان على المعترض أن يتعرض لمااشضار إليه جار الله بقوله حتى يستوي الشكل الذي يريدونه، فإنه رحمه الله تعالى أشار بقوله يريدونه إلى أن تلك الأشكال حاصلة باختيارهم وإرادتهم، وهذا لا يجري على مذهب الأشاعرة؛ لأنهم قائلون بأن ما خرج عن محل قدرة العبد لا يكون مكسوبا له كما مر، وما لا يكون [455]مكسوبا له لايكون باختياره وإرادته أصلا، وهم لا ينكرون أن تلك الأشكال خارجة عن محل قدرة العباد، فلا يكون مما يجري على إرادتهم كما هو مذهب الأشاعرة، فما للمعترض لم يتعرض لهذا؟ وأيضا فعندي أن جار الله رحمه الله قد أرمى بذكر إرادتهم إلى أن الله تعالى لم يرد ما ارادوه كما مرت الإشارة، وكلما كان كذلك امتنع أن يكون تعالى مؤثرا فيه؛ لأنه قادر مختار، فلا يخلوا فعل من أفعاله الأختيارية عن إرادته عزوجل، وإنما كان ما أرادوه غير مراد له تعالى، لكونه قبيحا كما دل على ذلك قوله تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه..} الآية. فقد دلت على أنه تعالى لايريد ما أرادوه، كما لايخفا على اللبيب المنصف، لايقال أن هذه الآية إنما دلت على أنه تعالى لو أراد أن يتخذ لهوا لاتخذه لنفسه عزوجل، كان يتخذ تعالى صاحبة وولدا وغير ذلك من اللهو، تقدس وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وهذا مفهوم الآية، بل صريحها، ولم تدل على أنه لايريد أن الأصنام تنحت وتعبد من دونه، وأن العباد يشركون به، ويقولون أن له صاحبة وولدا، كما هو مذهب الأشاعرة وسائر المجبرة، وأين هذا من ذاك؟
Shafi 970