793

قلت: أمانحن فقد بينا بهذه الوجوه أنهم قد وقعوا وفي المناقضة كما مر، إذ وقعوا في القول بأن المطلوب من العبد وحدوثه، وأما هم فإما أن يكونوا معترفين بمناقضة أنفسهم، وإما أن يكونوا قائلين بأن حد المطلوب هو وجود الفعل نفسه، وعلى كلا التقديرين قد اعترفوا بفساد ماذبهوا إليه، وصحة مذهبنا كما بيناه آنفا وسالفا حيث ذكرنا أنه يلزم مذهبنا من الإعتراف بأن المطلوب هو وجود الفعل.

ومما بينه اللبيب على أنهم قائلون بأن المطلوب من العبد هو وجود الفعل أنهم لم يعترضوا على إمام الحرمين، والإمام الغزالي، إذ قالا: بأن التعلق أي تعلق التكليف بالفعل ينقطع حال المباشرة له، وإلا لزم طلب تحصيل الحاصل، وهم وإن كانوا قائلين بأن العبد ليس له إلا مجرد الكسب؛ لكنهم لا يمنعون إن يطالب بما ليس من آثاره؛ لأن غايته تكليف مالا يطاق، وهم لا يمنعونه كما عرفت، بل قال إمام الحرمين في البرهان: أن جميع التكاليف عندهم تكليف بما لايطاق، وقد أشرنا إليه سابقا، ثم أن الكسب على ما فسروه به أمر اعتباري، ككون الفعل طاعة، وقد بينا أولا أنه لايصح المطالبة به من الحكيم تعالى، وإنما الذي يصح أن يطالب به ويصح أن يكون أثرا للعبد هو تحصيل الفعل، وأنت قد عرفت أن القول مجرد .............من أجله.

قال الرازي: أن كلام الباقلاني في غاية الضعف، وهو هذا الذي حكاه صاحب الايثار عن الشهرستاني بعينه ومينه، ولا خفا في أن الباقلاني إمام من أئمتهم المبرزين إلا أن تقويم الأعوجب صعب، وكل واحد منهم قد تورط في تقويم اعوجاج مذهب الأشعري وما سلم له، ولا سلم من المنافضة والتهافت، الظاهر عند كل ناظر، وصدق النظر في كلامهم وإطلاقاتهم يشهد بما ذكرته فمن شاء راجع.

Shafi 892