Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وأما الثاني: فلأنه لا معنى للقول بأن العقل متهم في شيء من الأحكام ومأمون غير متهم في شيء، ومنها كما مر؛ لأن ذلك يستلزم إما التحكم الباطل، أو أن وراء العقل حاكما آخر يميز بين حكمه الصحيح والفاسد، وإما أن يكون هذا الحاكم الآخر هو السمع، أو شيئا آخر لا سبيل إلى الثاني بالإتفاق، فرجع اعتمادهم على مجرد السمع، ولزمهم ما ذكرناه[408] كما ترى، ثم نقول: أنه قد وقع في الكتاب والسنة مالا يحصى من الإسناد إلى العبد فيما لا دخل فيه للكسب والمحلية أصلا، كقوله تعالى: {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا..} الآية. فنوح عليه السلام صانع الفلك اتفاقا مع أن الفلك ليست في محل الكسب والإسناد في الأمر أبلغ في المقصود من الإسناد في الخبر ونحوه، ومن ذلك قوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب..} الآية. مع أن المحاريب وما بعدها مما لا مجال فيه للكسب والمحلية، وكذا في قوله تعالى: {قال أخرقتها لتغرق أهلها} فإن الخرق للسفينة ليس قائما به، وإ،ما القائم به هي الحركات التي وقع بالخرق إليه حجة على المعترض وأمثاله، بل هذه الآية التي استدلوا بها حجة عليهم، فإن قوله: {أتعبدون ما تنحتون} قد نطق إسناد النحت إليهم، وليس المراد به نفس الحركات التي وقع بها النحت لاستحالة كونهم يعبدونها فإنها في وقت العبادة قد صارت معدومة، بل قد عدمت في ثاني أوقات وقوعها، وإنما المراد هو الحاصل بالنحت صوا كانت موصلوة أو مصدرية، ولا مجال للكسب والمحلية في الحاصل كما بالنحت كما عرفت، فهذا الإسناد وأمثاله ليس الإسناد التأثير والتحصيل لإسناد الكسب والمحلية، وإذا عرفت هذا ظهر لك أن الكتاب والسنة ناطقان بقيام الحجة على بطلان مذهب الكسب والجبر الذي يدعيه أمثال المعترض، وأنه يكفي لاستدلال بمثل هذه الإسنادات على أن العبد مؤثر في أفعاله وموجد لها بقدرته واختياره، وقد عرفت أنه قد طفح بها الكتاب والسنة، وذلك من أعظم الحجج على المعترض في القتل والقتال، أن السنة الشريقة قد جاءت ايضا بما يدل على تسمية فعل العبد خلقا؛ وذلك فيما روى عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم)) أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
Shafi 878