679

أحدها: منع انتفاء اللازم فلا يحسن الكذب في عصمة نبي، بل هو كذب قبيح في نفسه، وإنما تعارض قبيحان، فالرتكب العقل أخفهما، وذلك أن قتل النبي قبيح لكونه ظلما، وأنهم قبيح لكون متعلقه لا على ما هو به لكن قبح قتل النبي أعظم من قبح الكذب لزيادة اعتبار فمع تعارضهما يرتكب العقل أخفها خطرا وأقلهما منكرا مع الشعور بقبيح الذات أي ما منشأه الذاتي فلا نسلم زوال القبح الذاتي؛ لأنه لا يزول ما دام كونه كذبا، فمن أدعى أنه قد خرج عن كونه كذبا عليه البيان [355] وقد نبهناك على أن القبيح قد يكون قبيحا في نفسه، وإن لم يستحق فاعله ذما، ولا عقابا وكذا الحال في الحسن، وإنما غلط من غلط الغفلة عن هذه النكتة، وقد آثرت أم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام الصدق كما حكوا أنها لما وجدوا معها التابوت سألوها فأخبرتهم أن مرادها أن تجعل فيه ولدها موسى عليه السلام خوفا من فرعون وملئه فقيل لها: هل لا آثرتي نجاة ولدك موسى على ذلك، فقالت: فررت من الكذب، وفي أمثال هذه الحكاية ما يرشد إلى استقرار قبح الكذب في العقول أجمع، لا يقال: هذا يعود بالنقض على ما ذكرناه أولا من أن العقل يرتكب أخف القبيحين وهو الكذب في عصمة النبي، فما بال أم موسى آثرت الصدق وفرت من الكذب، وإن كان فيه نجاة ولدها موسى عليه السلام؛ لأنا نقول: ما ذكرتم ممنوع، فإن أم موسى عليه السلام ما جزمت بأنه يكون في صدقها هلاكه، بل لعلها علمت أن له شأنا عند ربه عزوجل، وأنه تعالى حافظه ومبلغه غاية ما يريده تعالى على يدي، والله غالب على أمره كيف وقد أوحى إليهما: {أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}، وعلى هذا فإيثارها للصدق أولى بخلاف ما ذكرتم من المثال في عصمة نبي من التقل، فإنه مفروض مع الجزم والقطع بقتله على يدي الظالم، وحينئذ فالكذب أخف القبيحين وهو ظاهر.

Shafi 762