Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
أحدها: أن كون الفعل حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفة من صفاته لم تعني بذلك أنه يقوم بحقيقته لا ينفك عنها بحال مثل كونه غرضا، وكونه مفتقر إلى محل يقوم به وكون الجهة والسواد لونا، ومن هاهنا غلط علينا المنازعون لنافي هذه المسألة، وألزمونا ما لا يلزمنا، وإنما يعني كونه حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفة أنه في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتيبهما عليه كالترتب الرتب على الشرب، والشبع على الأكل، وترتب منافع الأغذية والأدوية ومضارها فحسن الفعل أو قبحه هو من جنس كون الدواء الفلاني حسنا نافعا، أو قبيحا ضارا وكذلك [349] الغذاء واللباس، والمسكن، والجماع والاستفراغ، والنوم والرياضة وغيرها ، فإن ترتب آثارها عليها ترتب المعلولات والمسببات على علتها وأسبابها مع ذلك فإنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأماكن والمحل، والقابل ووجود المعارض فتخلف الشبع والري من اللحم والخبر، والماء في حق المريض من به علة تمنعه من قبول الغذاء لا يخرجه عن كونه مقتضيا لذلك لذاته حتى يقال لو كان ذلك لذاته لم يتخلف؛ لأن ما كان لذاته لا يتخلف، وكذا تخلف الانتفاع بالدواء في شدة الحر والبرد في وقت تزايد العلة لا يخرجه عن كونه نافعا في ذاته، وكذا تخلف الانتفاع باللباس في زمن الحر لا يدل على أنه ليس في ذاته نافع ولا حسنا، فهذه قوى الأغذية والأدوية واللباس ومنافع الجماع النوم تتخلف عنها آثارها زمانا ومكانا، وحالا وبحسب القبول والاستعداد فتكون نافعة حسنة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال، وفي حق طائفة وشخص دون غيرهم لم يخرجها ذلك عن كونها مقتضية لآثارها بقواها وصفاتها، وهكذا أوامر الرب تعالى وشرائعه سواء كما يكون الأمر منشأ لمصلحة ونافعا للمأمور في وقت دون وقت، فيأمر به تعالى في الوقت الذي علم أنه محصلة فيه، ثم ينهى عنه في الوقت الذي يكون فعله فيه مفسدة على نحو ما يأمر الطبيب بالدواء، والحمية في وقت هو مصلحة للمريض وينهاه عنه في الوقت بكون فعله بتناوله فيه مفسدة، بل أحكم الحاكمين الذي بهرت العقول حكمته أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال، والأماكن والأشخاص، وهل وضعت الشرائع إلا على هذا، وإن خفى وجه المصلحة والمفسدة على أكثر الناس.
قال رحمه الله تعالى: وقرر تعالى أنه إذا نسخ آية أو حكما أتى بخير منه أو مثله، وأنه على كل شيء قدير.
Shafi 749