463

وأما أبو الحسين ومن ذهب إلى مذهبه من المتأخرين كصاحب الغايات رحمه الله تعالى وكان شيخنا يميل إليه ويستحسنه رحمه الله تعالى فلم ينفوا الداعي عن الساهي والنائم، كما لم ينفوه في مسألة الهارب المتوجه إلى إحدى الطريقين والجائع الآكل لأحد الرغيفين وهو المفهوم من كلام بعض الإمامية، قالوا: وغايته عدم العلم بذلك وعدم العلم بالشيء ليس علما بعدمه فضلا عن أن يقتضى عدم ذلك الشيء قطعا.

وسئل القاضي عبد الجبار عن فعل الساهي والنائم، فقال: عندنا يقبح وإن لم يستحق الذم.

هذا فقد ظهر لك من الذي قدمناه جهل المعترض حيث ظن أن للعلم دخلا في الحسن والقبح، نعم على بعض الضروريات معدود في كمال العقل عند شيوخي المعتزلة وبعض رؤساء الأشاعرة، وإذا لم يكن الرجل عارفا بمذهب خصمه فكيف يسوغ له المناظرة معه وإلزامه وتغليطه ورميه بالكفر بمجرد الزعم والتوهم.

وأنت تعلم أن جمهور المعتزلة وسائر العدلية قائلون بأن خلق شهوة القبيح حسن، وذلك لأن شهوة القبيح لا تستلزم القبيح لجواز وجودها في من لا يفعله، بل هو واقع كشهوة الخمر والزنى مع من لا يشرب ولا يزني، وقد خالف في هذا أبو القاسم الكعبي لكن خلافه في التحقيق لفظي، فإذا كان كلامهم صريحا في حسن خلق الشهوة للقبيح كان خلق القدرة على القبيح والحسن أولى وأحرى، كيف وهي عندهم صالحة للضدين متقدمة بالزمان على المقدور، ولعل المعترض غفل عن هذا الأصل الثابت المشهور، وذهب إلى مذهبه من مفارقة القدرة للمقدور عدم صلوحيته للضدين [247] والخلاف في ذلك بين الفريقين فقال بقبحها جاعلا لمذهبه مذهبا لخصمه على ما جرت به... من خبطه ووهمه.

Shafi 515