Ihtiras
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
الأول أن اللغة والعقل يدلان على بطلانها، أما اللغة فلأن الواضع ما وضع اسم القدرة إلا لصفة تؤثر على وفق الإرادة فالتأثير معتبر في مطلق القدرة ومأخوذ في حقيقتها، فقوله الشيخ الأشعري يقسم القدرة إلى المؤثرة والكاسبة، باطل وهو من الجور بعد الكور، أما إنه باطل فلأنه تقسيم للشيء إلى نفسه وإلى غيره فإن الكاسبة كاذبة وليست من مسمى القدرة في شيء لما عرفت من أن التأثير مأخوذ في حقيقة مطلق القدرة لا في قسم من أقسامها فإذا قالوا مطلق القدرة فمرادهم بهذا المطلق صفة تؤثر على وفق الإرادة لا أنها شيء يعم هذه الصفة المؤثرة وغيرها [677] فإن هذا من الافتراء على أهل اللغة ولذا اعترف به الآمدي وزعم أن قدرة العبد شأنها التأثير لكنه عاقها عنه عائق وهو تعلق القدرة القديمة بالفعل بزعمه لكنك قد عرفت أنهم إذا قالوا شأن هذا الشيء كذا فمرادهم أن ذلك من صفته وحاله كما يقال إن الإنسان شأنه أن يكون صالحا مطيعا لله وقد يطلقون هذه العبارة في معنى الاستعداد كما يقال: إن الإنسان شأنه أن يكون متحركا؛ أي أنه مستعد لذلك كما نبه عليه صاحب الحكايات وسيأتي ذكر كلامه وحينئذ فهذه القدرة التي شأنها التأثير على ما ذكره الآمدي إما أن يكون مستعد للتأثير أو أنه من صفاتها وأحوالها وعلى التقديرين فهي إذا تعلقت وجب تأثيرها لأن المستعد إذا تعلق بما هم مستعد له في نفسه فقد خرج من القوة إلى الفعل وهذا على تقدير أن إطلاق النظر لنظر الشأن بمعنى الاستعداد، وأما على المعنى الأول فالأمر ظاهر.
وأما ما ذكره المعترض من قبيل الجور بعد الكور فلأنه اعترف أولا بأن التأثير معتبر في القدرة ثم رجع عن هذا الاعتراف زاعما أنه ليس معتبر إلا في قسم من أقسام القدرة وهذا من الحور بعد الكور ونحن إذا سألناه وقلنا له: هذا تعريفهم للقدرة التي اعتبروا التأثير فيها فما تعريفك أنت والشيخ الأشعري للقدرة الكاسبة ولن تجد إليه سبيلا؛ وذلك لأن قولهم تؤثر على وفق الإرادة بمنزلة الفصل وقولهم صفة بمنزلة الجنس فحذفك للفصل إبطال للتعريف، فأنت مثل من سمعهم يقولون إن الإنسان حيوان ناطق فقال هذا تعريف لمطلق الإنسان وهو منقسم إلى ناطق وغير ناطق ومن لا يستحي من إيراد مثل هذه الخرافات كان جديرا بأن لا يلتفت إليه أدنى التفات إلا أن كثيرا من الناس لا يعرفون الخلل في الكلام إلا بالعبارات الواضحات فقد ظهر أمر هذه القدرة الكاذبة من جهة اللغة.
وأما من جهة العقل فالأمر أظهر إذ العقل مانع من إثبات قدرة لا تأثير لها وإنما هي بمنزلة السواد والبياض والحمرة في المحل.
Shafi 1424