Ibn Sina Faylusuf
ابن سينا الفيلسوف: بعد تسعمئة سنة على وفاته
Nau'ikan
بعد أن يفرغ الشيخ الرئيس من تقرير ما تقدم ينتقل إلى المقالة الثانية، فيتكلم عن لواحق الأجسام، فقبل كل شيء يحدد الحركة بأنها تبدل حال قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل اتجاه نحو شيء، والوصول بها إليه هو بالقوة لا بالفعل، فيجب من هذا أن تكون الحركة مفارقة لحال لا محالة، ويجب أن تكون تلك الحال تقبل التنقص والتزيد؛ لأن ما خرج عنه يسيرا يسيرا على سبيل اتجاه نحو شيء فهو باق ما لم ينقص الخروج عنه البتة جملة، وإلا فالخروج عنه يكون دفعة،
7
فمن هذا التحديد يظهر أن لكل متحرك علة محركة غيره تدفعه إلى الحركة؛ لأنه لو كان كل جسم يتحرك بذاته، وتوجد فيه الحركة بما هو جسم لكان كل جسم مبدأ لذاته، الأمر الذي هو باطل الاستحالة، ثم يعقب ذلك فصلا يبرهن فيه على أنه لا يجوز أن يتحرك الشيء بالطبيعة، وهو على حالته الطبيعية، وأنه ليس شيء من الحركات بالطبيعة ملائما لذاتها، وبعد أن يستوفي الكلام في الحركة، ويقابل بين الحركة والسكون ينتقل إلى القول في الزمان والمكان، ثم في النهاية واللانهاية، ثم في الجهات.
وفي المقالة الثالثة يقسم الأجسام إلى بسيطة ومركبة؛ فالمركبة تثبت وجودها بالمشاهدة والعيان، والبسيطة تثبت بتوسط المركبة؛ لأن كل مركب فإنما يتركب عن بسائط، وللأجسام كلها أحياز ضرورية، وهي التي تتباين بها الأجسام في الجهات بأوضاعها، ولبعضها أمكنة وهي الأجسام التي تحيط بها أجسام أخر،
8
وما يفرغ من تبيان الأمور الطبيعية وغير الطبيعية التي للأجسام حتى ينتقل إلى تقرير الأجسام الأولى، ويشبع القول في قواها، فيفترض أولا أن جسم النار من جملة الأجسام البسيطة التي تتركب منها المركبات؛ لأنه لا يوجد أبسط منه في الحرارة، وهو جسم غاية في الحرارة، ونظن أنه يابس ويأخذ المكان إلى فوق، ثم شاهدنا الماء باردا بالطبع رطبا، ولا يوجد جسم أبسط منه في البرودة، فيكون إذن الهواء قابلا للحرارة والبرودة والماء باردا. أما الجسم الذي يقبل الحرارة والبرودة فهو التراب، من هذا يظهر أن العناصر الأولى التي تتركب منها الأجسام هي: النار والماء والهواء والتراب، ويسميها والأسطقسات،
9
إلا أن هذه جميعها تنتهي عند النار؛ لأنها أقوى من الجميع.
وفي المقالة الخامسة يتكلم عن المركبات، ومن جملة ما يقوله في هذه المقالة اللذيذة القراءة الصفحة التالية: ... يحيط بالبر والبحر الهواء البخاري إلا أنه ذو طبقتين؛ إحداهما تصاقب كرة الأرض؛ فتسخن من شعاع الشمس المسخن للأرض المسخنة لما تجاورها، وبعضه يبعد عنه؛ فيستولي عليه الطبيعة التي في جوهر المائية وهو البرد؛ ولهذا يكون أعالي الجبال ومواضع انعقاد السحاب أبرد، ثم فوق هاتين الطبقتين طبقة الهواء الذي هو أقرب إلى البساطة، ثم فوقه طبقة الهواء الدخاني؛ وذلك أن الدخان أيبس وأسرع حركة وأشبه كيفية بالنار، فهو يعلو البخار، والهواء إن لم يبرد في الوسط فينزل ريحا؛ فإن لم يبرد علا وطفا فوق الهواء، إلا أنه كما أظن أنه لا يكون محيطا ولا كثيرا بل يسيرا منتشرا والأكثر يحترق سهبا ... ثم فوق هذا كله الطبقة النارية، وجميع العناصر الأربعة بطبقاتها طوع الأجرام العالية الفلكية، والكائنات الفاسدة تتولد من تأثير تلك وطاعة هذه، والفلك، وإن لم يكن حارا ولا باردا؛ فإنه قد ينبعث منه في الأجسام السفلية حرارة وبرودة بقوى تفيض منها عليها، ويشاهد هذا من إحراق شعاعها المنعكس عن المرايا؛ فإنه لو كان سبب الإحراق حرارة الشمس دون شعاعها لكان كلما هو أقرب إلى العلو أسخن، وقد يكون مطرح الشعاع إلى الشيء، فيحترق وما فوقه لا يحترق؛ بل يكون في غاية البرد، فإذا سبب الإسخان التفاف الشعاع الشمسي المسخن لما يلتف به فيسخن الهواء، وربما بلغ من إسخانه أن بعد الهواء لقبول طبيعة النار، ويخرجه عن الاستعداد للصورة الهوائية، فإذا وقعت القوى الفلكية في العناصر فحركتها، وخلطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى، فمنها أن الفلك إذا هيج بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، ودخن من الأجسام الأرضية، وأثار شيئا بين الغبار والدخان من الأجسام المائية والأرضية؛ ولأن الأرض والماء يوجدان في أكثر الأحوال متمازجين، فليس يوجد بخار بسيط ولا دخان بسيط إلا ندرة وشذوذا. (ص249 و25 من النجاة)
وأنت ترى من هذه الصفحة الفكهة أن كلام ابن سينا في طبيعياته لآخر هذه المقالة لا يتعدى بجملته إلى طور التخمين والحدس والمحاولات الفاشلة. أما في المقالة السادسة، ويدور محور الكلام فيها عن النفس، فقد أتانا بنظرات أعمق من هذه تستحق الدرس والتمحيص.
Shafi da ba'a sani ba