Hikmat Gharb (Sashi na Farko)

Fuad Zakariyya d. 1431 AH
194

Hikmat Gharb (Sashi na Farko)

حكمة الغرب (الجزء الأول): عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي

Nau'ikan

ومن الغريب حقا أن نظرية هيجل في السياسة والتاريخ لا تنسجم حقيقة مع منطقه الخاص؛ ذلك لأن الكلية التي تصل إليها العملية الجدلية ليست مماثلة للواحد، عند بارمنيدس، الذي هو متجانس لا تنوع أو تمايز فيه، بل إنها ليست مماثلة لإله اسبينوزا الذي كان هو ذاته الطبيعة، والذي يزداد فيه الفرد توحدا مع الكون حتى يندمج فيه آخر الأمر؛ ذلك لأن «هيجل» على العكس من ذلك، يفكر على أساس الكل العضوي، وهي فكرة كان لها تأثيرها فيما بعد في فلسفة ديوي. وتبعا لهذا الرأي، لا يكتسب الفرد حقيقته الكاملة إلا من ارتباطه بالكل، مثلما ترتبط أجزاء الكائن العضوي. وربما خطر ببال المرء أن هذا كان خليقا بأن يؤدي بهيجل إلى قبول الفكرة القائلة بوجود مؤسسات متنوعة داخل الدولة، ولكنه لا يقبل أي شيء من هذا القبيل؛ فالدولة هي السلطة الوحيدة الطاغية. ولقد كان من الطبيعي بالنسبة إلى هيجل، بوصفه بروتستانتيا صالحا، أن ينادي بسيطرة الدولة على الكنيسة، لأن هذا يضمن الطابع القومي لتنظيم الكنيسة، أما بالنسبة إلى كنيسة روما فقد وقف هيجل منها موقف المعارضة بسبب ما يعد في الواقع ميزة أساسية فيها بغض النظر عن كافة الاعتبارات الأخرى، وهي كونها هيئة دولية. كذلك لم يترك هيجل مجالا للسعي المستقل من أجل تحقيق اهتمامات عضوية منظمة داخل المجتمع، على الرغم من أنه كان ينبغي، وفقا لرأيه العضوي، أن يرحب بأوجه النشاط هذه. أما عن البحث النزيه أو ممارسة الهوايات، فهذه لا يمكن قبولها. ولكن على أي أساس لا يسمح مثلا لهواة جمع طوابع البريد بأن يتجمعوا في ناد لا هدف له إلا متابعة اهتمامهم المشترك بجمع الطوابع؟ من الجدير بالملاحظة أن التعاليم الماركسية الرسمية.

10

تحتفظ بقدر كبير من الهيجلية في هذه الناحية، فجميع أوجه النشاط ينظر إليها على أنها تخدم مباشرة مصلحة الدولة. فإذا كانت هناك جمعية لهواة الطوابع، في ظل النظام، لا تنظر إلى عملها على أنه يساعد على تمجيد الثورة الاشتراكية، فإن أعضاءها سيجدون أنفسهم ممنوعين بحزم من جمع الطوابع أو من أي شيء آخر.

وهناك عدم اتساق بين نظرية هيجل السياسية ومذهبه السياسي في مسألة أخرى هامة. ذلك لأن التطبيق الدقيق لمبدئه الجدلي كان لا بد أن يكشف له عن عدم وجود سبب يحول دون قيام تنظيم معنوي بين الأمم، على نحو قد يكون مماثلا لما اقترحه «كانت»، ولكن حقيقة الأمر هي أن المطلق في السياسة يبدو أنه هو مملكة بروسيا. ولا شك أن استنباطه لهذه النتيجة باطل. صحيح أن المرء لا يستطيع أن ينكر أنه كان هناك أناس يؤمنون، بنية طيبة، بهذه القضية. ولكن إذا كان الإيمان بأمور كهذه يبعث الراحة في نفوس بعض الناس، فإن مما يتعارض مع الفكر السليم أن نعلن أن هذه القضايا مبادئ يمليها العقل. فبهذا المنهج يستطيع المرء أن يلتمس أعذارا زائفة لكل التحيزات والفظائع التي ترتكب في عالمنا ويصبح الأمر كله شيئا هينا إلى أبعد حد.

والآن، لنعد إلى الجدل، الذي هو بحق الفكرة المركزية في مذهب هيجل. لقد لاحظنا من قبل أن الخطوة الجدلية تنطوي على ثلاث مراحل؛ أولاها قضية ما، ثم قضية مناقضة تعارضها، وأخيرا يتجمع الاثنتان في تنظيم مركب. ولنقدم مثلا بسيطا يوضح ذلك. قد يقول شخص ما إن الذهب قيم، فيعترض عليه بالقضية المضادة القائلة إن الذهب ليس قيما. وعندئذ قد يتم التوصل إلى المركب بالقول إن قيمة الذهب تتوقف على الظروف. فإذا كنت في شارع أكسفورد،

11

حيث تجد أناسا على استعداد لإعطائك مأكولات في مقابل ذهبك، فعندئذ يكون الذهب قيما. أما إذا كنت تائها في الصحراء حاملا كيسا من الذهب، وكنت في حاجة إلى الماء، فعندئذ لا تكون للذهب قيمة. وهكذا يبدو أن من الضروري عمل حساب الظروف في كل حالة، وربما لم يكن هذا المثل ليلقى موافقة من هيجل، ولكنه يخدم أغراضنا في هذا المجال. على أن الفكرة التي يؤكدها هيجل هي أن المركب يصبح قضية جديدة، وتبدأ العملية الجدلية ذاتها من جديد، وهكذا دواليك حتى نصل إلى الكون بأكمله. والفكرة من وراء هذا كله هي أن الدلالة الكاملة لأي شيء لا تظهر إلا عندما ينظر إليه في جميع ارتباطاته الممكنة، أي في وضعه داخل العالم ككل.

وهنا ينبغي أن نطرح مجموعة من التعليمات. أولها يتعلق بالمحتوى التاريخي للجدل. فمن الصحيح كل الصحة أن هناك حالات توجد فيها مطالب يستحيل التوفيق بينها، ويتم تسويتها عن طريق نوع من الحلول الوسطى، فقد أقول مثلا إنني لا أرغب في دفع ضريبة الدخل، على حين أن مصلحة الضرائب تتخذ بالطبع الموقف المضاد وتصر على أن تأخذ كل شيء. وأخيرا نصل إلى نوع من الحل الوسط الذي يرضي كلا الطرفين إلى حد ما. وهذا شيء لا غموض فيه على الإطلاق. وينبغي ملاحظة أن الحل الوسط لا ينشأ عن مطلبين متناقضين، بل عن مطلبين متضادين. وهذه النقطة المنطقية تحتاج إلى بعض الإيضاح. فالقضيتان تكونان متناقضتين إذا كان صدق إحداهما يستلزم كذب الأخرى، والعكس بالعكس. أما القضيتان المتضادتان فمن الممكن أن تكونا معا كاذبتين وإن لم يكن من الممكن أن تكونا معا صادقتين. وهكذا نجد في المثال السابق أن الحل الوسط يخالف كلا المطلبين المتعارضين معا. والشيء الذي يجعل الجدل يمارس عمله في الحالات التاريخية الفعلية هو أن من الممكن في حالات كثيرة التوصل إلى نوع من الاتفاق بناء على مطالب متعارضة. وبالطبع فإن لم يكن لدى الطرفين الصبر الكافي للوصول إلى صيغة مقبولة، فمن الممكن أن تصبح اللعبة أشد عنفا، وفي النهاية يربح الطرف الأقوى ويترك الخاسر في الميدان. وفي هذه الحالة قد ينظر إلى المطالب المتعارضة فيما بعد على أنها مطالب متناقضة، ولكن هذا لا يحدث إلا فيما بعد، لأن وقوعه ليس محتوما، فحين يكون لدى المواطن ولدى سلطات الدولة رأيان متعارضان عن الضرائب، لا يكون أحدهما مضطرا إلى إبادة الآخر.

وثانيا، من الملاحظ أن التطور الثقافي يسير وفقا لنموذج مماثل. وفي هذه الناحية يرتد الجدل إلى تبادل السؤال والجواب في محاورات أفلاطون. وهذه بالضبط هي الطريقة التي يعمل بها الذهن حين تعترضه مشكلة. إذ يعرض موقف ما، وقد تثار عدة اعتراضات، وخلال المناقشة إما أن يتم التوصل إلى تسوية، عن طريق الأخذ برأي أدق في الموضوع، وإما أن يتم التخلي عن القضية الأصلية، إذا بدا بعد إمعان الفكر أن من الضروري قبول أحد الاعتراضات. وفي هذه الحالة يمكن التوصل إلى حل توفيقي، سواء أكانت القضايا التي توضع كل منها في مواجهة الأخرى متناقضة أم متضادة، فقضية هرقليطس القائلة إن كل شيء يتحرك، وقضية بارمنيدس القائلة أنه لا شيء يتحرك، هما قضيتان متضادتان، ولكن قد يكتفي المرء، في اعتراضه على رأي هرقليطس، بالقول إن بعض الأشياء لا يتحرك، وفي هذه الحالة تكون القضيتان متناقضتين. وفي كلتا الحالتين يمكننا التوصل إلى الحل الوسط الذي يقول إن بعض الأشياء يتحرك وبعضها لا يتحرك.

ويؤدي ذلك إلى إبراز فارق هام لم يكن هيجل على استعداد للاعتراف به. فالتناقض شيء لا يحدث في المقال أو الخطاب

Shafi da ba'a sani ba