Hamayan Zad Zuwa Gidan Gobe
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ إنآ أوحينآ إليك كما أوحينآ إلى نوح والنبين من بعده } حال من النبيين، ولم يذكر مفعول أوحينا، لأن المقام مقام اثبات أنك نبى له الوحى من الله، وان نبوتك على طريق نبوة من قبلك، سواء فى الوحى، فلا تبال باقتراح أهل الكتاب ان تنزل عليهم كتابا من السماء على كيفية يحبونها، بأن يكون نزوله بمرة، فهذه عدة أنبياء لم ينزل على أحدهم كتابا بمرة، وهم مقرون بهم، كذا قيل وهو غير مسلم، وقيل فى سبب نزولها قول بعض أحبار اليهود ما أنزل الله على بشر من شىء، وسمى بعض العلماء هذا البعض مسكون، وعدى بن زيد، وبدأ بنوح لأنه أول نبى بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك فيما قيل، وذكر بعض أنه أنزل عليه عشر صحائف، وهذا غير معروف، ولأنه أول من عذبت أمته لتكذيبهم له وأهلكوا بدعوته، ولأنه كآدم لأنه لم يلد أحد ممن لم يغرق من الناس، وهم مؤمنون وممن معه فى السفينة الا أولاده، وهو أطول الأنبياء عمرا، ولم تنقص له سن، وصبر على أذاهم طول عمره. { وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } أولاد يعقوب الاثنى عشر. { وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان } ذكرهم مع شمول بعض النبيين لهم، وأعاد لفظ أوحينا تشريفا لهم، ولأن ابراهيم أول أولى العزم، وعيسى آخرهم قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأمره الله أن يصبر كما صبر أولوا العزم، فصبر فكان منهم آخرهم على الاطلاق، وما بين ابراهيم وعيسى مشاهير الأنبياء كابراهيم وعيسى. { وآتينا داود زبورا } خصه بالذكر لشهرته بزبوره، واعظاما لزبوره، وكونه يقرأ بصوت ألين مرات، وأدخله فى الأسماع والقلوب، ولذلك بدل الأسلوب فقال { وآتينا داود زبورا } ولم يذكر داود وحده بالعطف، وزبور اسم لكتاب داود عليه السلام، وأصله فعول بفتح الفاء بمعنى مفعول كركوب بفتح الراء بمعنى مركوب، أى مزبور أى مكتوب، ثم تغلبت عليه الاسمية، وقيل معناه وآتينا داود كتابا مزبورا على بقاء الوصفية، وعدم تعيين اسمه بهذا اللفظ، وليس كذلك بدليل أنه لا يذكر الا بلفظ زبور، فدل على أنه علم على الكتاب وهو مائة وخمسون سورة، تسبيح وتقديس، وتحميد وثناء على الله عز وجل، ومواعظ لا حكم فيه ولا حلال ولا حرام، ولم يذكر موسى عليه السلام، لأن كتابه نزل جملة مكتوبا، وقرأ حمزة زبور كفلس وفلوس فى الوزن بضم الزاى جمع زين بفتح الزاى واسكان الياء مصدر بمعنى مفعول، أو جمع زبور بفتح الزاى جمع ترخيم بأن حذفت الواو من المفرد، وسكنت باءه فجمع بعد ذلك.
[4.164]
{ ورسلا } مفعول لمحذوف دل عليه، أوحينا أى وأرسلنا رسلا أو نبأنا رسلا، أو نصب على الاشتغال بما دل عليه قوله { قد قصصناهم } أى وقد قصصنا رسلا قد قصصناهم. { عليك من قبل } فى الآيات التى نزلت، وذكروا فيها كما فى سورة الأنعام قالت اليهود ما لموسى لم يذكر مع من ذكر فى الآية المذكورة قبل هذه، فنزلت هذه الآية يقول فيها قد ذكرناه قبل، وذكره أيضا آخر هذه الآية. { ورسلا لم نقصصهم عليك } أى وأرسلنا رسلا لم نقصصهم عليك، أو نبأنا رسلا لم نقصصهم عليك، أو لم نقصص رسلا عليك لم نقصصهم عليك، فنصبه بمحذوف على غير الاشتعال، أو عليه كما مر فى الذى قبله، وعلى كل حال فمعطوف الواو فيهما هو ناصبهما المحذوف، واذا كان على غير الاشتغال فالجملتان بعد المنصوبين نعتان لهما، ومعنى قصصنا ذكرنا، ومن ذكره الله فى القرآن فهو أفضل ممن لم يذكره باسمه. { وكلم الله موسى تكليما } ألقى الله فى قلبه وسمعه كلاما سمعه من جميع جهاته الست، من غير أن يكون هناك لفظ ولا شفة ولا لسان، وذلك الكلام عرض خلقه الله لا من شىء ولا فى شىء، والله قادر على ذلك، ولو كان العرض فى الجملة لا يقوم بنفسه، وليس ذلك عندى بمستحيل فى قدرة الله، وما ذكرت من انه سمعه من جميع جهاته، ومذكور فى أثر، ويجوز أن يكون معنى تكليمه إلقاء معنى الكلام فى نفسه بلا سمع. قال الفراء العرب تسمى كل ما يوصل الى الانسان كلاما بأى طريق وصل، وقيل معناه أنه خلق له الكلام فى جسم من الأجسام، ونسب للقدرية ولا مانع منه، وزعم قومنا أن التوكيد اللفظى مما يفيد رفع المجاز، فبنوا على ذلك أن الله كلم موسى بلا واسطة، ولا خلق كلام فى شىء، لأن تكليما مصدر مؤكد لكلم وهو فى معناه ولفظه، وكذا معناه دون لفظه كقمت وقوفا، وذلك خطأ منهم فى صفة الله عز وجل، ولو صح فى نفسه بل التوكيد يأتى عند التحقيق بحسب ما أكده به من حقيقة أو مجاز بقرينة ظاهرة أو خفية حالية أو مقالية. فلو قيل جاء أسد أسد وأريد الرجل الشجاع، ونصبت قرينة خفية ينفطن لها بعض الناس لجاز، ثم رأيت ما يقرب مما ذكرت فى كلام ابن هشام اذ قال الظاهر أن التوكيد يبعد ارادة المجاز، ولا يرفعها بالكلية، لأن رفعها بالكلية ينافى الاتيان بالألفاظ متعددة، ولو صار بالأول نصا لم يؤكد ثانيا، ثم ان القائل لذلك فى الآية يرى أن كلام الله الحقيقى هو ما بألفاظ بلا واسطة، وغاب عنه أن حقيقة كلامه اما خلق الكلام من ناطق حاشاه، أو مجرد نفى الخرس أو وحيه، وأنه لا يجوز وصفه بالنطق واللفظ.
وأعظم من ذلك ما زعموا عن كعب الأحبار أنه لما كلم الله سبحانه موسى بجميع اللغات، وقال بعد كل لغة يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلغته آخرا ففهمها قال يا رب هذا كلامك؟ قال لو سمعت كلامى يعنى على وجهه بلا تسهيل لم تكن شيئا، فقال يا رب هل فى خلقك شىء يشبه كلامك؟ قال لا وأقرب خلقى شبها بكلامى أشد ما يسمع الناس من الصواعق، فهذا تشبيه لكلام الخلق بكلام الله جل وعلا، وتلويح بأن الله يخرج منه كلام يخرج من لسان المخلوق، وهذا يوجب الجسمية والتركيب والتحيز، وكل صفة عجز. فان صح ذلك عن كعب فانما أراد رحمه الله أنه لو أراد لخلق كلاما فى جسم، أو فى الهواء، قلنا الهواء جسم أم لم نقل أعظم من الصواعق لفعل، ثم انه لا يسلم كما علمت أن المجاز لا يؤكد بالمصدر مثل أراد به المتكلم عن نفسه الغلط أو الخطأ يشير به الى السامع أنى لم أغلط ولم أخطىء ولو تكلفنا هذا فى الآية تعالى الله عنهما لكان المعنى وكلم الله موسى حقا لكنه ليس كلاما يخرج منه كما يخرج من المخلوق تعالى الله عن الظرفية والتحيز.
[4.165]
{ رسلا مبشرين } لأهل الايمان والطاعة بالجنة. { ومنذرين } لأهل الشرك والمعاصى بالنار، ونصب رسلا على المدح، أى أعنى رسلا أو أمدح رسلا، أو ذكرت رسلا، أو يقدر أرسلنا رسلا، أو نعت لرسلا الذى قبله ثان، على أن لم نقصصهم نعت لرسلا، أو حال من هاء لم نقصصهم، وهو حال موطىء لمبشرين ومنذرين المرادين بالذات، كقولك جاء زيد رجلا صالحا، فان زيدا معلوم أنه رجل، وانما ذكر تمهيدا لذكر صلاحه، أو حال كذلك من ابراهيم وسليمان وما بينهما فقط، لا مع غيرهم لاتحاد العامل، وهو أوحينا الثانى. وفى ذكر التبشير والانذار ترغيب فى الايمان، وترهيب عن الكفر، واشارة الى أنه قد أرسل رسلا تبشر وتنذر، وليسوا كلهم تنزل عليهم كتب بمرة، بل شيئا فشيئا بحسب حاجاتهم وحاجات أقوامهم، لئلا يفروا من انزال الأحكام والأمور المخالفة لهم بمرة، ولتجدد حدة قلوبهم اذا كلت لا كما تقترحون، يا معشر اليهود من نزول الكتاب بمرة، وانزال التوراة على موسى جملة، ولا يقدح فى نبوة من لم ينزل عليه البتة ، ولا يقدح فى نبوة من نزل عليه شيئا فشيئا، اذ خصه الله بالتكليم، ولكن قد صح أيضا أن الله كلم سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأنه لا فضيلة لرسول أو نبى الا وله صلى الله عليه وسلم مثلها. { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } بعد ارسال الرسل بالوحى، فحجة الله على عباده فى وجود الله ووحدانيته اجمالا، العقل بالنظر فى بدن صاحبه وأحواله، وفى سائر الخلق وأحوالهم، وأما فى تفصيل ذلك وسائر الشرائع، فللرسل، وقد يقال العقل وحده حجة فى أن للموجودات خالقا موجودا أوجدها لا أول له ولا آخر، ويعرف أنه الله بهذا الاسم بمنبه كملك ورسول،هذا تحقيق المقام، ومما دل على أن حجة الله الرسل قوله تعالى
فيقولوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا
أى يعلمنا دينك
فنتبع آياتك
وقوله تعالى
Shafi da ba'a sani ba