1371

Hamayan Zad Zuwa Gidan Gobe

هميان الزاد إلى دار المعاد

فقال لها يا زليخا أتعلمين أنى أهزأ؟ قالت لا والله الذى لا إله إله هو، قال فإنى ربى يقول لى، على لسان ملك نزل من السماء إن كانت عجوزا أجعلها جارية عذراء، وإن كانت عمياء أجعلها بصيرة، وإن كانت فقيرة أجعلها غنية، لأنها كانت تحب من يحبها. فقالت يا يوسف لا شئ أحب إلى قلبى مما ذكرت لى، فحملها إلى قصره بعد ما مسح عليها جبريل عليه السلام بجناحه، فصارت حوراء تخجل البدر، لها عينان كحلاوان، كأنهما لؤلؤ مكنون، قد ألبسها الله بجمال أهل الجنة، وانقلبت المحبة إلى قلب يوسف عليه السلام، وافتتنت هى بحب الله عز وجل، فعمل لها عرسا كبيرا، وزفت إليه، وغلقت الأبواب على نفسها، واستحيت أن تجعل مع الله شريكا فى قلبها، وأن تشتغل بغيره لما نالها من حبه، واشتغلت بعبادته. ولما انتصف الليل جاء يوسف عليه السلام، وقرع عليها الباب فقالت له يا يوسف تغيرت المسألة، ووجدت من هو خير منك، فكسر يوسف عليه السلام الباب، ودخل عليها، فتعلق بها، فهربت منه، فمزق قميصها، فنزل جبريل عليه السلام وقال له يا يوسف ليس هناك جدال ولا قتال، محبة بمحبة، وعشق بعشق، وطلب بطلب، وهرب بهرب، وتمزيق بتمزيق، ولكن أخبرها عن الله عز وجل أن رضاه فى رضاك، وطاعته فى طاعتك، فأخبرها بذلك. ففرحت وقالت الآن قد طابت نفسى، وكملت والله مسرتى، وفرح قلبى، وانشرح صدرى، ولما دخل عليها تعجب من حسنها وجمالها فقال لها ما هذه الصورة البهية المليحة السنية؟ فقالت له زليخا قد كنت ترانى منذ تسع سنين وما تعجبت منى قط، قال لها يا زليخا والله ما ملأت عينى منك قط، قالت ولم ذلك؟ قال لها لأنه لا يحل لى أن أنظر إلى ما ليس لى. قالت يا يوسف وحق الذى فى السماء عرشه، لقد بقيت مع العزيز من يوم رفعت إليه إلى أن مات وما مستنى بشرته، ولا أعلم أنى ذكر أم أنثى، ولا هممت بأحد غيرك. قال لها يا زليخا أنت الآن بكر عذراء، قالت له نعم أيها الصديق كما خرجت من بطن أمى، فقال يوسف عليه السلام الله أكبر هذا من فضل ربى.

وعلم يوسف عند ذلك أن الله تبارك وتعالى كان يحفظها له، وكتبها له فى الأزل، فحمد الله وشكره، وولدت له اثنى عشر ذكرا كلهم أنبياء مرسلون، وفى رواية أخرى، وهى التى سبقت فى حفظى أن الله سبحانه وتعالى سلط على أموالها الفناء، ومات العزيز، وافتقرت افتقارا شديدا، وذهب بصرها وصارت تتكفف الناس، فقيل لها لو تعرضت للملك لرحمك وأعانك بشئ يغنيك عن الناس، ثم قيل لها لا تفعلى فربما تذكر مافعلت به من المراودة والسجن، فيعاقبك، فقالت هيهات أنا أعلم بحبيبى منكم، وإن من خلقه الصفح. ثم نهضت وجلست على ربوة فى طريقه، وكان يركب يوما فى الجمعة، وتركب معه العظماء والوزراء وأرباب دولته، وتركب معه ألوف كما مر، ولما أحست به نادت بأعلى صوتها سبحان من جعل العبيد ملوكا بطاعتهم، وجعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، فأمسك العنان ونظر إليها فقال من أنت؟ قالت أنا التى كنت أخدمك دهرى على خدى وقدمى، وأرجل جمتك بيدى، وأبذل فى خدمتك جهدى، وكان منى ما كان، وقد ذقت وباله، ولقيت نكاله، فذهب مالى، وتغير حالى، وصرت أسأل الناس، فمنهم من يرحمنى، ومنهم من لا يرحمنى، وهذا جزاء المفسدين. فبكى شفقة عليها، ثم قال هل بقى فى قلبك شئ مما كان؟ فقالت والله لنظرة منك أحب إلى من الدنيا وما فيها، ثم قالت ناولنى سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، فوجد من طرف السوط فى يده ارتعادا فقالت يا نبى الله هو كما ترى، فجاوزها باكيا، ثم بعث إليها رسولا يقول لها يقول لك الملك إن كنت أيما تزوجناك، وإن كنت ذات بعل أغنيناك. فقالت إليك عنى يا عبد الله، فإن الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بى، لم يلتفت إلى زمان شبابى وجمالى وغناى، فكيف يلتفت إلى الآن، فأخبر يوسف بما قالت. وتعرضت له فى الربوة فى الأسبوع الثانى، ونادت كالنداء الأول، فقال لها ألم يبلغك رسولى، وقال لك ما قال، فما ترين؟ قالت ألم أقل لك إن نظرة إليك أحب إلى من الدنيا وما فيها، فأمر بحلمها إلى قصره، وأحضر الشهود وتزوجها، فلما زفت إليه، وأدخلت عليه، نظر إليها فزاد شفقة عليها، فصلى ودعا بالاسم الأعظم، فرد الله عليها جمالها، فكانت كهيئة يوم راودته، فلما نظرت إليه دون رقيب دخل قلبها الوجيب، ودلها لما رأته على السميع المجيب. وقيل بل رد الله عليها شبابها بعد وصول يعقوب ليوسف، وارتداده بصيرا، سارت إليه ووقفت بين يديه وقالت أنت رئيس الصابرين، وإمام المحزونين، فتصدق على الممحنة بقميص يزيل وصبها، فأعطاها منه خيطا وهو القميص الذى كساه الله إبراهيم من الجنة، حين ألقى فى النار، فمرت به على وجهها وجسدها، فرد الله بصرها وشبابها، وتعرضت للصديق كهيئتها يوم راودته، فدعاها إلى الإسلام فأسلمت، فلما زفت إليه استأذنته أن تصلى لله صلاة تشكره على ما وهبها من نعمة، فأذن لها فاستطابت حلاوة المناجاة، فطال على يوسف انتظارها، فدعاها إليه فلم تجبه، فدعاها ثانية فلم تجبه فجذبها من خلفها، فقد قميصها من دبر وواقعها ووجدها عذارء. { نصيب برحمتنا من نشاء } فى الدنيا والآخرة كالنبوة والتوفيق والملك والمال { ولا نضيع أجر المحسنين } بل نثيبهم عاجلا وآجلا، وعن ابن عباس المحسنون هنا الصابرون، ومن إحسان يوسف الصبر وحب الضيف، وكان لا يأكل إلا مع الضيف.

[12.57]

{ ولأجر الآخرة خير } من أجر الدنيا لعظمه ودوامه، وفى الآية إشارة إلى أن ليوسف فى الآخرة ما يستحقر دونه ملكه فى الدنيا { للذين آمنوا وكانوا يتقون } الشرك والمعصية، عم القحط سائر البلاد فى السبعة العجاف حتى الشام ونواحيه، وقصد الناس مصر من كل مكان لشراء الطعام، وكان يوسف لا يبيع لأحد شريف أو وضيع أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس، ووصل يعقوب وأهله ما وصل الناس من القحط وهو بأرض كنعان من الشام، وكانت زليخا تحب أهل الشام حبا شديدا، وإذا أتى أحد منهم تأمر بإكرامه، وكانت مغرمة بيعقوب وأولاده، وكان أهل الشام إذا رجعوا من مصر نزلوا تحت بيت الأحزان، ويذكرون محاسن سلطان مصر معهم، وكيف أضافهم وأعطاهم، وكيف يحبهم وما سيرته ويعقوب يسمع ويقول والله هذه علامة العارفين، ولم يعلم أن بمصر أو غيرها نبيا سواه، وكان يقول ليت لى قوة أمضى إليه على أجد عنده، يوسف. وكان تحت نفقته ستون رجلا وامرأة وشكوا إليه وسألوه أن يدعو الله لهم حتى يفرج عنهم، ودخل عليه أولاده يوما باكين، قالوا يا آبانا منذ أربعين سنة ما كلمتنا ولا التفت إلينا، ولا دعوت لنا، ولا تبسمت فى وجها، فهب أنا قد عصيناك وقد آتيناك مضطرين مفترين مستغيثين. قد أصابنا ما أصاب الناس من الجوع، فادع لنا ربك أن يرزقنا وأن يتفضل علينا، فقال لهم يعقوب عليه السلام، أدلكم على من عنده النعم والكرم، ومن تقصده العرب والعجم، ويثنون عليه بأحسن الشيم؟ وجهه صبيح، وكلامه فصيح، ودينه صحيح، قريب من الناس، ذو حشمة وباس، له العز والجلال، والخزائن والأموال، أخلاقه سنية، وأصافه بهية، أكرم الملوك وأسخاهم،، وأنصحهم لعباد الله وأحسنهم خلقا، وعنده طعام كثير، وقد استخرت الله أن أوجهكم إليه. فقالوا من أين عرفت ذلك؟ قال من النازلين تحت بيتى إذا رجعوا قصدوه فإنه كريم، وسلموا عليه أفضل التسليم. قالوا يا أبانا نحن حفاة عراة حقراء فقراء، ما عندنا شئ يصلح لحضرة الملك، فإن الناس يحملون إليه الجواهر واليواقيت، والذهب والفضة، والزمرد الأخضر. قال يعقوب سمعت أنه كريم رحيم، والكريم يقبل اليسير، ويهب الكثير، قالوا يا أبانا نحن ما حضرنا أبدا فى حضرة الملك، كيف نفعل إذا وصلنا إليه؟ قال إذا أذن لكم بالدخول فلا تتكلموا بين يديه إلا بإذنه، ولا تلتفتوا يمينا ولا شمالا، فمن سوء الأدب الالتفات فى حضرت الملك إلى غيره، فاحفظوا أدبكم، فالبحر لا جار له، والملك لا صديق له، والعافية لا قيمة لها، ومن صحب الملوك بغير علم أسلمه الجهل إلى القتل. يا بنى إذا حضرتم بين يديه فاثنوا عليه، وإذا أمركم بالجلوس فقفوا إلى أن يأمركم، فإذا جلستم فلا تسبقوه بالكلام حتى يسألكم، ولا تطيلوا عنده الجلوس لئلا يمقتكم، وإن أذن لكم بالانصراف فلا تعطوه ظهوركم، وإذا خرجتم من عند فلا تذكروا لأحد ما جرى بينكم وبينه، وإن أفشى لكم سرا فلا تفشوه لغيركم، فإن إفشاء سر الملوك صعب فأعدوا أهبة حسنة، وأظهروا زيا بديعا.

وحملوا ما أمكنهم ولم يقصد مصر قوم أحسن حالا منهم، ولا أبهى منظر، ولكنهم ما دخلوا إلا شعثا لنفاد زادهم. وكان يوسف قد اتخذ شريعة على ساحل البحر إلى الجبل من حديد، عليه باب واحد لا يقدر أحد يعبر فيه، ولا يجد سبيلا إليه إلا من ذلك الدرب، وكان على الباب حاجبه، ومعه خمسمائة فارس، وأمره أن لا يبيع إلا للغرباء، ولا يبع لواحد حتى يسأل عن اسمه واسم أبيه وبلده وأرضه وبضاعته، وحتى يأذن له، وأمر حاجبا آخر أن لا يبيع إلا لأهل مصر، وكان أحدهما مصريا والآخر قبطيا، وإذا ورد الغريب لحاجب الغرباء سأله وتركه واقفا، وسار إلى يوسف فيفتح له البواب الباب، فيقف عند الحجاب الأول، فيبدى من الخضوع ما يبدى عند الملوك، ويثنى ويقول أيها الملك إنه ورد قوم من أرض كذا، ويصفهم ويسميهم فيهز الحجاب، وكان هزه علامة للقبول، ولم يكن ذلك تجبرا وتكبرا، بل إرهابا للأعداء، وحفظا عمن يريده بسوء ولو انبسط إليهم لازدروا به. وإنما بعث الرسل لتجديد الشرائع، وتسديد الذرائع، وكان أشد الناس تواضعا، وأمر بالسؤال للغريب أن يعرف بإخوته إذا وصلوا، وكان جبريل عليه السلام قد أخبره بذلك حين رأى الرؤيا وخرجوا هم عشرة، أمسك يعقوب عليه السلام ولده بنيامين، وهو أخو يوسف لأم وأب يتسلى به، ونفد الزاد قبل وصولهم بمرحلتين، فظهر عليهم أثر الجوع وتشعثوا، ولما وصلوا سألوا الناس أين بائع الطعام؟ فدلوا عليه، فجاءوه فسألوه البيع، فقال إنكم غرباء، وليس أمر الغرباء بيدى، ولكن انطلق إلى موضع كذا، فإن فيه حاجتكم. فجاءوا الذى يبيع الغرباء فسألوه البيع فقال لهم من أنتم؟ وما اسم بلدكم؟ وما أسماؤكم، وما قصدكم، وقد أعجبته رائحتهم وصورهم وأجسامهم، فقالوا له لم تسأل؟ قال لذلك جلست هنا. فقالوا له نحن بنو يعقوب نبى الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، من الشام من أرض كنعان من بيت الأحزان، قيل وكان منزلهم بالقرب من فلسطين، جئنا لحضرة الملك لنشترى الطعام، وأسماؤنا كذا وكذا، قال وما بضاعتكم؟ قالوا لا تسأل عن بضاعتنا، ونكسوا رءوسهم، فكتب بذلك كله إلى يوسف عليه السلام، وأنهم فى غاية الجوع والنحول وتغير الألوان، ومع ذلك هم أهل جمال وبهاء وفصاحة. وقيل أدى بلسانه كما مر لا بالكتابة وقال إنهم يزعمون أنهم أولاد يعقوب نبى الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، قيل لما نظر فى الكتاب بكى حتى غشى عليه، فتعجب الوزراء من حاله ولم يعلموا أى شئ أصابه، فلما أفاق من غشيته أذن لمن حوله بالخروج فخرجوا، ونظر فى الكتاب ثانية وبكى بكاء شديدا ثم قال للحاجب متى قدموا؟ قالمنذ خمسة أيام، قال فيما لباسهم؟ قال ثياب رثة وهم قوم شعث، فبكى عند ذلك بصوت عال وقال جاء إخوتى الذين فرقوا بينى وبين والدى.

وروى أنه قال ذلك بحضرة الوزير، فقال له فلم تبكى؟ قال لحالين أحدهما الحياء منهم إذ عصوا الله تعالى بسببى، والثانية فقرهم، فتعجب من قوله وقال فما تفعل بهم؟ قال أفعل بهم ما يفعل القريب بالقريب، والحبيب بالحبيب، والملك بالغريب، وأمر أن ينزلوا منزلا حسنا، ويكرموا بأنواع الطعام واللحم والفاكهة والحلاوات، ففعل الحاجب ذلك، وقال إذا تمت ثلاثة أيام فخرب ذلك الموضع المجعول للغرباء، فإن المراد به هؤلاء، وبات شاكرا لله سبحانه، فرحا إذ أنجز له ما وعد له فى الجب. ولما كان اليوم الرابع لبس أحسن ثيابه، وقعد على سرير ملكه، وجعل على وجه برقعا من الديباج، منظوما من جوهر ولؤلؤ، يرى الناس منه ولا يرونه، وأقام عن يمينه ألف جارية بزينتهن وحليهن، وعلى يساره كذلك، بأيديهن أعمدة الذهب والفضة، وأمر قواده أن يلبسوا دروعهم وأسلحتهم، ويحضروا جنودهم وجموعهم، واصطفوا ركبانا عن يمين الكرسى ويساره، واصطف الغلمان والرجال خلف الفرسان بأيديهم الحراب والمقاطع، وأظهر زينة لم ير مثلها قط، فكان الناس يتعجبون من ذلك ويتساءلون ما بال الملك؟ وأحضر الصواع الذى يكال به، وكان إذا ضربه طن طنينا فيصغى بأذنه يعرف منه صدق المتكلم وكذبه، وجعله فى حجره، فأمر الحاجب أن يجئ بهم، فجاء بهم فى خيله ورجاله، فأذن لهم بالدخول بعد ما جاءوا وحضروا فدخلوا فعرفهم ولم يعرفوه، كما قال الله عز وجل { وجاء إخوة يوسف... }

[12.58]

{ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه } إلا واحدا فإنه أمسكه أبوه وهو بنيامين، ويدل على هذا الاستثناء قوله

ائتونى بأخ لكم من أبيكم

{ فعرفهم } قيل عرفهم أولا أنه لم يميز بين يهودا وشمعون، ونزل الملك فميز له بينهما، فعرف كلا على حدة { وهم له منكرون } قال ابن عباس، ومجاهد عرفهم يوسف بأول نظرة، قال الحسن لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. قال ابن عباس بين أن قذفوه فى الجب وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، ولذلك أنكروه، وذكر بعضهم أن المعصية تورث النكرة وتلا هذه الآية، وما يوجب النكرة أنهم فارقوه صغيرا، وأنهم اعتقدوا أنه مات، وأنه ذهب عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه، واهتمامهم به، ولبعد حاله التى هو فيها من السلطان والملك، عن حاله حين ألقوه فى الجب، وحين باعوه بدراهم معدودة، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم، ولأن الملك يبدل الزى ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف. وقال عطاء لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك، وعلى رأسه تاج الملك ، وقيل لأنهم رأوه على زى ملوك مصر، عليه ثياب الحرير، جالسا على سرير، فى عنقه طوق من ذهب، وفى رأسه تاج، ولأنه يتكلم بالقبطية، وقيل لأنهم وقفوا من بعيد حيث يقف طلاب الحوائج، وعلى كل حال، فإن الله جل وعلا لم يخلق فيهم معرفة تحقيقا لما أخبره أنه سينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال، ورأى زيهم قريبا من زيهم إذ ذاك، لاهتمامه بهم، فكان يتأمل ويتفطن. وروى أنه أدخلهم فى ثانى يوم، وروى أنه قال لصاحب المائدة لا تنزل هؤلاء فى دار الغرباء، ولكن أدخلهم فى دارى، وانصب لهم المائدة كما تنصبها بين يدى، واحفظهم وأكرمهم، فقال من هم يا مولاى، فقد أتاك أقوام ومعهم الأموال والذخائر وما أنزلتهم إلا فى دار الغرباء؟ فقال لا تكثر قولك، افعل بهم ما أمرتك، فنزل الخادم من القصر، وأمرهم بدخول الدار، وبسط لهم الفرش والمساند، ويوسف ينظر إليهم من الكوة ويأمر الخادم بلسان القبط ويقول ابسط لهم كذا وكذا، وافعل بهم كذا وكذا، ولا يدرون ما يقول. ولما رأوا ملكه حين دخلوا إليه أول مرة، نكسوا رءوسهم، وكان كل ينتظر ما يؤمر به، ويحكم فيه، فجعل ينظر إليهم ويتذملهم، ويطيل النظر إليهم، ولا يدرون، ثم يتشاغل عنهم بغيرهم، وينظر إلى جهة أخرى، ويكلم وزراءه بما يريد، وأمر باعتزالهم إلى حيث أمر الخادم أن ينزلهم ولم يكلمهم، ولما جن الليل، وضع بين أيديهم الموائد والشموع والمجامير، فنظروا إلى دار الغرباء من كوة، والخدم يرفعون لكل فقير قرصة شعير للغلاء.

Shafi da ba'a sani ba