1147

Hamayan Zad Zuwa Gidan Gobe

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ وما كان صلاتهم عند البيت } الكعبة { إلا مكاء } صفيرا من مكا يمكو كدعا دعاء، ورغا رغاء، وبكى بكاء، وصرخ صراخا ونحو ذلك من الأفعال الدالة على الصوت الثلاثية المفتوحة السين الآتى مصدرها بوزن فعال بضه الفاء وتخفيف العين، وقال قتادة المكاء ضرب الأيدى وهو ضعيف، وليس بخارج عن القياس فى المصدرية لخروج الصوت من الضرب، وقيل المكاء الصفير فى الأيدى، وقرأ إلا مكا بالقصر، ونسب لأبى عمرو، والمشهور عنه المد. { وتصدية } تصفيقا تفعلة من الصدى كزكى تزكية بتخفيف الياء، يقال صدى بالتشديد الجبل ونحو تصديه ردد مثل الصوت الذى يلفظ به الإنسان أو غيره، وذلك أنهم يضربون أيديهم هذا هو المشهور، وقال قتادة يضجون ويصيحون بما لا يعنى، وبما لا معنى له، وذلك التصدية، وعلى كل حال فقد شبه صوت تصفيقهم أو صياحهم بالصوت الذى يرده الجبل ونحوه فى عدم النفع، أو فى كونه لا معنى له، وربما صاحوا بماله معنى، لكنه كعدم المعنى لأنه غير معتبر، ويصح على تفسير قتادة أن يكون من صد يصد بكسر الصاد إذا ضج وصاح، وهو لازم ضعف للمبالغة فعيل صدد يصدد بتشديد الدال الأولى فيهما، أبدلت الثالثة فيهما حرف علة فقيل صدى يصدى بدال واحدة مشددة، مثل زكى يزكى، فالمصدر تصدية كتزكية. وقال سعيد بن جبير التصدية المنع، فأما أن يكون تفسيرا بالواقع من تصفيقهم أو صياحهم فإنه منع عن الصلاة والقراءة، أو تفسير بالصد الذى هو المنع وهو الصد المتعدى، شدد للمبالغة، فهو من صده يصده بالضم فعيل صدده يصدده بتشديد الدال الأولى فيهما، أبدلت الثالثة حرف علة فكان المصدر تصدية كتزكية مثل ما مر. وروى أنهم كانوا يدخلون أصابعهم فى أشداقهم، وذلك المكاء، ويصفرون، وذلك التصدية، وفى رواية عن ابن جبير التصدية منعهم المؤمنين عن المسجد وأمر الدين، لا بأصوات اللغو، وعلى كل حال فالمراد بالآية ذكرهم بما يستحقون به العذاب، ويمتنع به أن يكونوا أولياء الله أو مسجده، فإن من كانت صلاته الصفير والتصفيق لا يليق وليا له، وكانوا يعتقدون أن المكاية والتصدية عند البيت صلاة أو دعاء، وكانوا كما قال ابن عباس يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، يعنى قريشا، وكانوا يتقربون بذلك، وكان بعض أقوياء العرب يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء وبينهما أربعة أميال. وإن قلنا ليسوا متقربين بذلك، فمعنى كونه صلاة أنهم أبدلوا الصلاة به وجعلوه مكانها، وقيل أحدثوا المكاء والتصدية حين جاء النبى والمؤمنون ليشغلوهم به عن الصلاة والقراءة والعبادة، ونسبه بعضهم لأكثر المفسرين، وكانوا إذا جاء النبى أو مؤمن يصلى اجتنفه رجلان يمينا وشمالا بالمكاء والتصدية، وكان نفر من بنى عبد الدار يعارضون النبى صلى الله عليه وسلم فى الطواف، يستهزئون به ويدخلون أصابعهم فى أفواههم ويصفقون كما قال مجاهد، وكان إذا دخل المسجد قام رجلان عن يمينه يصفران، ورجلان عن يساره يصفقان من بنى عبد الدار كما قال مقاتل.

صحح بعضهم ما مر من أن المكاء والتصدية عبادة قديمة فيهم، وبه قال ابن عباس، ويمكن أن يزيدوا فيهما ليشغلوه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ الأعمش، وعاصم، وإبان بن ثعلب فى رواية عنهم بنصب صلاة على أنه خبر كان، ورفع مكاء وتصدية على الاسمية بكان، وفيها الإخبار بالمعرفة عن النكرة، وهو وارد فى السعة والضرورة، لكن الراجح عكسه، وزعم قوم أن هذه القراءة لحن. وروى عن الأعمش أنه قال قال بعض إن هذه قراءة عاصم وقرأ بها فقال له أفإن لحن عاصم تلحن أنت، وزعم الفارسى أن داعى هذا القارئ إلى ذلك توهمه أنه لو كان صلاة اسم كان لقيل كانت، وممن قال لا يخبر بالمعرفة عن النكرة الا فى الضرورة ابن هشام، وأجازه بعض فى السعة إن وصفت النكرة أو أضيفت أو تعلق بها شئ. { فذوقوا العذاب } يعنى القتل والأسر يوم بدر قاله الحسن، والضحاك، وابن جريج، ولا يلزم منه أن يكون ذلك نزل بعد بدر حكاية لما قيل لهم خلافا لبعض، بل يحتمل أن يكون قبله، وقد قالوا ائتنا بعذاب فجاءهم هذا العذاب، وقد قيل إن أل للعهد، والقائل لهم فذوقوا العذاب الملائكة، أو شبه حالهم بحال من قيل له ذلك، ويحتمل أن يكون بعده قال بعضهم الراجح أن يكون الكل نزل بعده حكاية، وقيل العذاب عذاب الآخرة، كأنه قيل يقال لهم فذوقوا العذاب، والقائل الملائكة { بما كنتم } بسبب كونكم { تكفرون } كفر اعتقاد، وكفر عمل.

[8.36]

{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا } الناس { عن سبيل الله } أى إن الذين كفروا يريدون إنفاق أموالهم لذلك { فسينفقونها } فى ذلك، فالإنفاقان واحد، وكذا إن أريد بذكر الإنفاق أولا لبيان علة الإنفاق، ويذكره ثانيا بيان أنه سيقع ويرتب على وقوعه الحسرة والغلبة، وذلك أن عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية وغيرهم من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، كلموا أبا سفيان ومن له مال فى تلك العير التى جاء بها من الشام، أن محمدا قد قتل خياركم فأعينونا بهذا المال، لعلنا ندرك منه ثأرنا، فأرادوا ذلك وأنعموا به وأنفقوها يوم أحد، فهو المال الذى أرادوا إنفاقه، أو أنعموا به وأنفقوه عن قريب، ولكن ما استعمل إلا يوم أحد كخيل وسلاح وزاد، أو أنفقوها عن قريب صرفت للرجال ليتمكنوا من الحرب، والقرب نسى فلا ينافى السين. وجزم عاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر، وابن سعد بن معاذ أنه أنفق فى غزوة أحد، وعن السدى، ومجاهد، وابن جبير أن أبا سفيان أنفق فى غزوة أحد على العرب المتجمعين بمكة ونواحيها من غير قريش أربعين أوقية ذهبا، والأوقية أربعون درهما، قيل واستأجر أيضا ألفين من العرب سوى ذلك، قيل هم من كنانة، ونزلت فى ذلك، وقيل الإنفاق الأول يوم بدر، والمضارع فيه لحكاية الحال الماضية كأنها حاضرة على أن الآية نزلت بعد الإنفاق، وللاستقبال على أنها نزلت قبله، وللحال الحقيقة على أنها نزلت وقت الإنفاق. والإنفاق الثانى يوم أحد أو قبله لغزوة أحد، فيقدر مضاف أى فسينفقون بقيتها، أو يجعل ذلك من باب الاستخدام بأن يرجع الضمير إلى الأموال المذكورة لا بقيد إنفاقها الأول، أو يضمن الإنفاق معنى الإنقاص، وذلك أن المطعمين أبا جهل وعتبة وشيبة ونبيها ومنبها، وأبا البخترى، والنظر، وحكيما، وأبيا، وزمعة، والحارث، والعباس، يطعم منهم كل يوم عشر جزر، وقال الضحاك يوما عشرا، ويوما تسعا، وهو أنسب بما مر فى عدد المشركين. وتخريج الآية على المطعمين، ومنهم العباس يقضى أنه كافر حين كان بمكة، وحين خرج إلى بدر وأسلم بعد ما أسر، وقيل كان بمكة مسلما، وإنما خرج معهم غير قاصد للشر فيما قال، وذلك هو الإنفاق الأول، وأنفقوا أيضا لغزوة أحد وهو الإنفاق الثانى، وذلك توجيه للأقوال والروايات، وتطبيق لها بالآية على ما تقبله الصناعة بحسب ما ظهر لى، والذى أقول به إن المضارع الأول للاستمرار التجددى، والكلام يشمل كل من كانت عادته الإنفاق للصد عن سبيل الله وهو دينه، واتباع رسوله من المطعمين الاثنا عشر وغيرهم، ولو صح أن سبب نزول الآية من ذكر.

{ ثم تكون عليهم حسرة } ندما وتلهفا وغما فى الدنيا، هذا هو المراد، والله أعلم، ولو كانت أيضا كذلك فى الآخرة، وقيل المراد هنا فى الآخرة وعليه يستثنى العباس، إلا إن كان حال الإنفاق مؤكدا فإنه يكون عليه ذلك فى الآخرة تضييقا فى قبره، أو فى المحشر، ثم ينجو، وإنما كانت حسرة فى الدنيا، لأنهم أنفقوها ولم ينفعهم إنفاقها، والحكم على الأموال بأنها حسرة مبالغة، فإن الحسرة إنما هى عاقبة إنفاقها، ولا يخرج عن هذا بتقدير مضاف هكذا، ثم يكون إنفاقها لأن الإنفاق أيضا ليس حسرة، بل ترتب عليه، وزعم السعد أن ذلك استعارة تمثيلية حيث شبه كون عاقبة إنفاقها حسرة بكون ذاتها حسرة، وأطلق المشبه به على المشبه. { ثم يغلبون } وهذا يوم أحد، قال ابن سلام بين الله أنهم سيغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، وقيل المراد أن آخر أمرهم أن يغلبوا، ولو كانت الحرب قبل ذلك دولا { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } يجمعون إن لم يتوبوا.

[8.37]

{ ليميز الله } وقرأ حمزة، والكسائى، ويعقوب، وقتادة، وطلحة بن مصرف، والأعمش، والحسن بضم الياء، الألى وفتح الميم وكسر الياء الثانية مشددة، وهو أبلغ { الخبيث } الكافر { من الطيب } المؤمن، قاله ابن عباس، والسدى، وقيل الخببيث العمل الفاسد، والطيب العمل الصالح، واللام على القولين متعلقة بيحشرون أو يغلبون، فإن التمييز يكون بإلقاء الكافرين فى النار، وجزاؤهم على كفرهم، وبغلبتهم، وقال ابن سلام والزجاج الخبيث ما أنفقه المشركون فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطيب ما أنفقه المسلمون فى سبيل الله، فتعلق اللازم بتكون وإن علقت بيتقون كانت للصيرورة. { ويجعل } الفريق { الخبيث بعضه على بعض فيركمه } يجمعه ويضمه { جميعا فيجعله فى جهنم } أو يجعل المال الخبيث المنفق فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه على بعض، ويجمعه ويضمه، ويجعله فى جهنم يعذب به منفقوه، قال صلى الله عليه وسلم

" يخرج يوم القيامة من الأموال ما كان صدقة أو قربة، ثم يؤمر بغير ذلك فيلقى فى النار "

قال الحسن إن الكفار يعذبون بذلك المال، أو يجعل الخبيث من الناس والمال بعضه على بعض، بأن يضم على كل كافر ما أنفق فى العداوة ليزيد به عذابه، ومن قال الخبيث العمل الفاسد، والطيب العمل الصالح قال معنى جعل الخبيث بعضه على بعض وركمه جزاء الكفار بأعماله وقربه بوبالها. { أولئك هم الخاسرون } يعنى الذين كفروا، أو الذين أنفقوا، أو الخبيث لأنه مقدر بالفريق الخبيث، والمصدق واحد، والعبارة عبارة حصر، كأنه لكمال خسرانهم لا خسران إلا خسرانهم أنفقوا أموالهم ولم ينفعهم إنفاقها، إذ كانوا مغلوبين، وعوقبوا بالعذاب الدائم.

[8.38]

Shafi da ba'a sani ba