Haka Nasr Abu Zayd Ya Yi Magana
هكذا تكلم نصر أبو زيد (الجزء الأول): من نص المصحف إلى خطابات القرآن
Nau'ikan
حوار الحضارات أم صدام الحضارات: حللت هنا مفهوم نهاية التاريخ من منظور لاهوتي، مفهوم نهاية التاريخ الذي صاغه «فوكوياما»، قبل أن يكتب «هنتجتون» كتاب «صدام الحضارات». هو مفهوم يبدو كما لو كان مفهوما سياسيا، لكن في عمق هذا التحليل السياسي مفهوم ديني؛ لأن نهاية التاريخ هي مفهوم ديني لاهوتي بامتياز. جميع الأديان في بدايتها تنذر بنهاية التاريخ، باقتراب يوم الدينونة، وحللت هذا المفهوم. ونجد هذا في القرآن كما نجده في الكتب المقدسة، من أول
اقتربت الساعة وانشق القمر
إلى آخر السور المكية المبكرة التي تنذر الإنسان، وهنا سمي الرسول
صلى الله عليه وسلم
إنما أنت منذر
الإنذار والتبشير بنهاية العالم، واستقرار العالم، نجده موجودا في جميع الأيديولوجيات. يعني في النظام الماركسي، نهاية التاريخ بأن تحكم البروليتاريا، أن تنتصر البروليتاريا مثلا، هذا هو الجانب اللاهوتي عند كارل ماركس.
لكن اللاهوت المرتبط بنهاية التاريخ، وصدام الحضارات، هو لاهوت فيه إله، وإلهه هو السوق. وهو إله يجب طاعته، طاعة مطلقة. وأي محاولة في العالم المعاصر لمخالفة قوانين السوق تنتهي بالدمار. وكأن السوق صار هو الإله الجديد، طبعا خرجت الحضارات والثقافات الأخرى، وحتى البنية داخل الثقافة، لتحارب هذا الإله الجديد، ولكن هذه الحرب تمت بأسلحة لاهوتية، تقليدية أيضا. العولمة ولاهوت التدمير: يعني رد الفعل على العولمة هو ما يسمى بلاهوت التدمير. يعني عندنا لاهوت العولمة، الإله. اللاهوت المضاد للقضاء على لاهوت العولمة هو لاهوت التدمير، محاربة إله السوق بأسلحة الميثولوجيا.
هذه هي الأسباب العامة التي أعادتني إلى ابن عربي مرة ثانية، الأسباب في العالم الذي نعيش فيه. هناك أسباب خاصة بواقعنا العربي والمصري؛ احتراق الدين، واحتراق التدين، تسيير عربة السياسة؛ وعربة السياسة أنا ألخصها في الاستبداد والاستغلال والفساد. في هذه الرحلة التي بدأ فيها تسيير عربة السياسة - سواء الاستبداد أو الاستغلال أو الفساد، وأنا لا أتكلم عنه كخاص بفئة ولا خاص بنظام، وإنما هو حالة عامة تسربت - استخدام الدين، هذا الاستخدام لتسيير هذه العربة أدى إلى احتراق الدين. تحول الدين إلى وقود، وحين يتحول الدين إلى وقود يحترق. المظاهر الكثيرة للتدين في مجتمعاتنا تعكس تدينا مفتقرا إلى روح الدين. الفقر الروحي واقتناء أشكال التدين، والمبالغة في أشكال التدين. إذن العودة إلى ابن عربي ليست فقط من أجل رؤية الواقع الإنساني، وإنما أيضا من أجل الواقع الآني. «الميكرو» و«الماكرو». الماكرو هو العالم ، والميكرو هو العالم الإسلامي والعالم العربي، ومن هنا يصبح سؤال المعنى، سؤال المعنى الأعمق سؤالا هاما.
مجال المعنى، أين يوجد المعنى؟
أنا الآن أدخل في ابن عربي. حددت لماذا ابن عربي، ولماذا الآن. أين يكمن المعنى؟ في الفكر الفلسفي والفكر الكلامي، المعنى خارج العقل. المعنى في الوجود وعلى العقل أن يكتشف قوانين الوجود ويستنبط المعنى من الوجود. النظر في الوجود، الوجود كعلامات دالة، ويصبح العقل هنا أنه يبحث وليس له دخل في هذه المعرفة، يعني المعنى خارج العقل، وعلى العقل أن يحاول التوصل إلى هذا المعنى الموضوعي المتحيز خارج العقل. العقل يكتشف المعنى، ولا يساهم في صنع المعنى. ممكن أن نلخص هذا الموقف، سواء في علم الكلام أو في الفلسفة بأنه البرهان. هناك منظور آخر، وجود المعنى في الوحي، في اللغة وليس في العقل، وليس في الوجود، وهذا ما أطلق عليه اسم البيان. وأنا هنا أستعير تصنيفات الدكتور محمد عابد الجابري عن البرهان والبيان والعرفان. النقطة الثالثة: وجود المعنى في وعي العارف: يعني أن المعنى ليس مستقلا عن وعي العارف. إن المعنى هنا - أشار إلى قلبه - كاملا، يعني المعنى إما في الخارج وهذا هو البرهان، وإما في الداخل وهذا هو العرفان، ما تسمى بالفلسفة الإشراقية، أفلوطين. وإما في اللغة التي هي وسيط بين الوجود وبين الوعي. عند المتصوفة وعند ابن عربي، هناك إجابة أخرى على هذا السؤال. المعنى هو جدلية الوجود والوعي، المعنى هو التجربة، ليس هناك معنى مستقل خارج وعي الذات العارفة، ووعي الذات العارفة لا يستقل عن تجربة الذات العارفة. وبالتالي المعنى لا يكمن في الخارج تماما، ولا يكمن في الداخل تماما، وإنما يكمن في هذه العلاقة، نسميها الجدلية، نسميها التجادلية. تكمن في هذه العلاقة بين الذات والموضوع، وأصل هذه العلاقة هو التجربة، كأن التجربة هي التي تمثل حافزا للفهم. «كنت كنزا مخفيا، فخلقت الخلق، فبي عرفوني» سواء كان هذا الحديث صحيحا أم لا، هذه مشكلة، مشكلة استخدام كل الفرق الإسلامية، بما فيهم المتصوفة للحديث. هذه مسألة تحتاج إلى دراسة مستقلة.
Shafi da ba'a sani ba