ومن الخطأ أن يقال إن تخلف المرأة في الفنون الجميلة قد نشأ من الحجر عليها في عصور الجهالة الأولى.
ففي عصور الجهالة الأولى كان الحجر شاملا للضعفاء من الرجال والنساء على السواء، ومع هذا نبغ الشعراء والفنانون من طبقة العبيد والسوقة، ولم يكن عدد الحاكمين المسيطرين الذين نبغوا في الشعر والفنون على اختلافها مربيا على عدد النابغين من المحكومين المسخرين، سواء منهم السفلة الأذلاء والأوساط الذين لا يصيبهم الظلم كما يصيب من دونهم في الطبقة الاجتماعية.
وأيا كان القول في عموم الحجر على الجنسين أو على جنس واحد فالذي لا ريب فيه أن المرأة لم يحجر عليها في الغناء والعزف على الآلات كما لاحظ بعض الباحثين، ومضى دهر طويل على الأمم الشرقية والغربية وهي تحسب الغناء صناعة نسائية وتأخذ المغنين والعازفين من الذكور أن يرسلوا الشعور ويتزيوا بزي النساء، ولم يتجاوز حظ المرأة من الغناء طبقة الأداء الحسن إلى طبقة الخلق والإبداع.
ويقال في صناعة التطريز ما يقال في صناعة الغناء والموسيقى على التعميم، فقد شغلت بها المرأة من عصور البداوة وثابرت عليها في عصور الحضارة، ولم تساو الرجال الممتازين بإبداع الطرز والنماذج والأشكال.
فشعور المرأة بالجمال محدود، وقد تكون تابعة فيه أو خاضعة للإيحاء والشهرة سواء من الجماعات أو الأفراد، وفي وسع فرد واحد أن يوحي إلى المرأة شعورها بجماله إذا تسلط عليها بإرادته، فتؤمن من طريق الإيحاء أنه لجميل، ولا يمنعه أن يوحي إليها هذا الشعور إلا أن يكون شنيع الدمامة لا تجوز المغالطة في قبحه من النظرة الأولى، وإلا فهو بالغ من إقناعها ما يريد.
وميل المرأة إلى الرجل المشهور بجماله يخالف في طبيعته ميل الرجل إلى المرأة المشهورة بجمالها.
فشهرة المرأة بالجمال تشحذ في نفس الرجل طبيعة غير الطبيعة التي تشحذها في نفس المرأة شهرة الرجل بالجمال.
وهذا الفارق بين هاتين الطبيعتين هو الفارق كل الفارق بين الجنسين في كل ما يختلفان فيه .
إن المرأة التي تتصدى بجمالها لأعين الرجال تبعث في نفوسهم حب المسابقة والتنافس وتمنيهم بلذة الظفر والغلبة على الأقران، وقد تكون متعتهم بالوصول إليها وتنحية الأقران عنها أعظم وأروح من متعتهم بشمائلها ومحاسن جسدها ومحياها.
أما المرأة فشهرة الرجل بالجمال عندها تؤكد الإيحاء والتكرار وتملكها من ناحية التنويم وشل الإرادة والتمييز فهي تنقاد هنا لأن الناس يقولون، ولأن ما يقولونه يخامر يقينها كما يخامر المنوم بالتوكيد والتكرار يقين المنومين.
Shafi da ba'a sani ba