وما هو هذا الخطأ؟
الوزير :
إنك قد أوعزت بفكرة الحرية، وأطنبت أمام جلالته بحرية الشعب، وأنحيت باللائمة على طريقتي في التجسس، ولا أدري كيف يمكنك أن تتدارك كل هذه الأمور، وهي لا تنسجم مع ما صممنا عليه.
الأستاذ :
لا أريدك خوارا في عزيمتك، وقد أحسنت في إبلاغي ما جرى للملك، وسأتدبر الأمر فاطمئن، وأما اهتمامك بما قلته عن الشعب وحريته، فإنه يدل على ضعف في كياسة السياسة، ولا أدري كيف فاتك هذا الأمر، إننا نعطي من نخدع ما يحب وما يريد؛ لنأخذ منه ما نحب وما نريد: الحرية، العدالة، الرحمة، وما ماثلها، إنما هي كلمات يؤخذ بها المغفلون، ونستغلها نحن لمصالحنا، إننا لم نتورع عن استغلال الأديان على سموها وعلى شدة تأثيرها، أفنعجز عن استغلال هذه الكلمات، إنها كلمات تسحر عيون الناس وتعمي قلوبهم ما داموا لا يفقهون لها معنى، فلم نتورع عن استغلالها؟ هي سلاح خصومنا، فلنسلبهم سلاحهم هذا، ولنتخذه سلاحا لنا، إنما يخشى علينا منها، إذا ما فقهوا معانيها، واتصلت بنفوسهم على حقيقتها، وسترى كيف سأشوش على الملك وعلى الشعب فهم معاني هذه الكلمات الساحرة، سيختلط عليهم الأمر، فتدرك كيف نتخذها وسائل لإلقاء أبواب السحر، نحن السحرة لا نكتفي باستخدام عالم الجن ولا بالاتصال بعالم الأرواح، بل نستخدم هذه الألفاظ ولا سيما المبهمة منها، وهي أكثر تأثيرا في استعباد الناس من الجن والشياطين والأرواح والشعب، ألا تزال تؤمن بخرافة الشعب؟ إنه وثني ألفاظ، يساق بها كما تساق الماشية ما دام جاهلا مغفلا، وإذا اضطررت لتعليمه فاثقل المنهاج وغرر بالمعلمين، كن مطمئنا، وثق بي، ولا تعجل، فالعجلة من الشيطان يزل بها الإنسان.
وما بلغا من حديثهما هذا الحد حتى دخل التلميذ، ينبئ الأستاذ عن وصول رسول الملك مع بعض الأتباع، وإنهم يقولون: إن جلالته في انتظار الأستاذ الجليل.
ظهر الفزع على الوزير، فابتسم الأستاذ قائلا: ابق هنا مع تلميذي إلى أن يبعد بي الموكب، وإلى اللقاء، وابتسم كل منهما للآخر ابتسامة المكر والنفاق.
الفصل السابع عشر
قال الراوي: استقبل جلالة الملك العادل الأستاذ الجليل بحفاوة بالغة في صبيحة تلك الليلة الساهرة البيضاء، وكان لا يزال متأثرا بتخيله، إن روح ذلك الشيخ، قد بعثت في ناسوت هذا الأستاذ الجليل، وأصبح ينتظر على يديه الإنقاذ من بلبلة الأزمة، أهلا بأستاذنا الجليل. قالها الملك بنبرة الآمل الواثق وأردفها بقوله: كيف أصبحت؟ فأجابه الأستاذ بهلجة تذلل العبد الخاضع متخذا هيئته: على خير ما أرجو لسيدنا ومليكنا صاحب الجلالة المفدى، كانت ليلتي بيضاء ساهرة، قضيتها بالصلاة، أبتهل إلى الله، جلت قدرته، أن يكلأ المليك العادل الكبير بعين عنايته، أن يسدد خطاه في الاعوجاج ودرء الفساد، ويرشده إلى ما فيه من خير العباد وإصلاح الرعية، أطال الله عمر جلالة الملك، وأدامه ذخرا للأمة، وحقق معاني تلك الرؤيا الصالحة، وقد رأيتها بعين اليقظ الواعي آمين.
أمر الملك الأستاذ بالجلوس بجانبه، ولم يكن معهما أحد، ثم نادى الحاجب وأمره بإقفال الباب والامتناع عن الاستئذان عليه، والتفت إلى الأستاذ الجليل بوضع المطمئن الواثق وقال: اقصص علي تلك الرؤيا الصالحة، أيها التقي الصالح، فتململ الأستاذ، وانحنى انحناء المتواضع يهاب الكبر، ويأبى الغرور والادعاء، وأخذ يفرك بيديه ويقول: لم تكن يا مولاي رؤيا منام، وإنما كانت رؤيا يقظة وهيام، فلله عباد يهيمون بحبه وينقطعون إليه، فيتهجدون الليل، ويقضونه بالصلاة، والذكر والدعاء، فلا ينامون، وفي هدأة الليل البهيم وسكونه، وفي صميم طمأنينة الصلاة وحلاوتها، تنخطف روحهم إلى العوالم الأخرى، ويتمتعون بمشاهدة قدرة الله في أكوانه وعوالمه، ويسيحون في ملكوته، فيزداد إيمانهم، وتربو حسناتهم، وتنمو أرواحهم، ويتنسمون نسيم السعادة الأبدية والهناء السرمدي، وكثيرا ما ينعمون في انخطافهم هذا بالاجتماع برجال الله الصالحين، من أنبياء وحكماء، وبملائكته الأبرار. هنا أخذت الملك قشعريرة قوية، ارتعش لها جسده، واهتز رأسه، إنها قشعريرة الخشية والانجذاب، ثم تمتم قائلا: أكمل حديثك يا رجل الله، نفعنا الله ببركتك. فازداد الأستاذ الجليل تملقا وخشوعا بعد أن أصبح في نظر مليكه من رجال الله الأبرار، وأخذ في حديثه - وهو يتلبس بأوضاع أولئك الرجال الصالحين في تذللهم لربهم، وبهيئاتهم - وكان بارعا في تمثيله الرائع: وكأني بالإله الرحيم الحكيم قد أراد أن أكون مظهرا لرضائه على عبده جلالة الملك العادل، ودليلا على عنايته به، فأنعم علي في تهجدي هذه الليلة بانخطاف روحي، نقلني من عالمنا هذا إلى عالم من عوالمه، ولا يعرف مداها إلا هو تبارك اسمه، فرأيتني في قصر منيف، أين منه قصور هذا العالم؟ فقد وجدت فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من نعم الله وآياته، ثم انتهى تطوافي في أرجائه إلى حديقته المتسعة الغناء، وكانت وارفة الظلال والنبات، وإذا أنا على مقعد بين يدي شيخ جليل وقور، فحبوت لأقبل يده لشدة ما تهيبته، فلم تقع يدي على شيء، فتذكرت أنني في عالم الأرواح ترى ولا تلمس، فضممت ذاتي إلى ذاتي وانكمشت على نفسي، وقد أخذتني رعدة لم ينقذني منها سوى صوته الهادئ الرخيم يقول: هدئ من روعك، فإنما أنت في دار أمان وسلام، إنه شيخ وقور قد تجاوز التسعين، إلا أن مظاهر همته ونشاطه تجعله في الستين على الأكثر، لولا نصاعة بياض شعره، إنه طويل القامة، عريض المنكبين، بارز الخدين، وعيناه واسعتان يشع منهما أنوار الصفاء والذكاء، صمت قليلا وعلى وجهه أمارات التفكير والتأمل، ثم نظر إلي محدقا وقال: كيف حال الملك؟ ولم ينتظر مني جوابا، والحقيقة إنني كنت معقود اللسان لا أستطيع الكلام تهيبا ودهشا، وأرجو من صاحب الجلالة أن يسمح لي بنقل ما قاله بالحرف؛ لأنني أجهل مضامينه، ولا يجوز لي أن أحرف رسالات الأرواح الطاهرة، وتوقف الأستاذ عن الكلام إلى أن أمره الملك المشدوه بأن يتم حديثه، وأن يروي ما سمع بالحرف دون زيادة أو نقصان.
Shafi da ba'a sani ba