Futohatin Makkiya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Mai Buga Littafi
دار إحياء التراث العربي
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
1418هـ- 1998م
Inda aka buga
لبنان
فدارت بأفلاك القوى ثم أبرزت . . . معارفها للسامعين من النطق أعلم أن الغربة عند الطائفة يطلقونها ويريدون بها مفارقة الوطن في طلب المقصود ويطلقونها في أغتراب الحال فيقولون في الغربة الأغتراب عن الحال من النفوذ فيه والغربة عن الحق غربة عن المعرفة من الدهش أما غربتهم عن الأوطان بمفارقتهم إياها فهو لما عندهم من الركون إلى المألوفات فيحجبهم ذلك عن مقصودهم الذي طلبوه بالتوبة وأعطتهم اليقظة وهم غير عارفين بوجه الحق في الأشياء فيتخيلون أن مقصودهم لا يحصل لهم ألا بمفارقة الوطن وأن الحق خارج عن أوطانهم كما فعل أبو يزيد البسطامي لما كان في هذا المقام خرج من بسطام في طلب الحق فوقع به رجل من رجال الله في طريقه فقال له يا أبا يزيد ما أخرجك عن وطنك قال طلب الحق قال له الرجل أن الذي تطلبه قد تركته ببسطام فتنبه أبو يزيد ورجع إلى بسطام ولزم الخدمة حتى فتح له فكان منه ما كان فهؤلاء هم السائحون فجعل الله سياحه هذه الأمة الجهاد في سبيل الله وأعلم أن هذا الأمر ليس بأختيار العبد وأنما صاحب هذا الأمر يطلب وجود قلبه مع ربه في حاله فإذا لم يجده في موضع يقول ربما أن الله تعالى لم يقدر أن يظهر إلى قلبي في هذا الموضع فيرحل عنه رجاء الحصول لما علم أن الله تعالى قد رتب أمورا وأقتضى علمه أزلا أنه لا يكون كذا ألا بموضع كذا وبطابع كذا وبسبب كذا فلما حكم عليه هذا الامكان وفقد قلبه في بعض المواطن عن وجود متقدم أولا عن وجود رحل عن ذلك الموطن رجاء حصول البغية هذا سيب أغترابهم عن الأوطان وأمثاله فإن بعضهم قد يفارق وطنه لما كان فيه من العزة فإذا رأى أنه قد زاد عزا بالزهد والتوبة أو لم يكن مذكورا فأشتهر بالتوبة والخير فأورثه عزا في قلوب الناس فوقع الأقبال عليه بالتعظيم فيفرو يغترب عن وطنه إلى مكان لا يعرف فيه لمعرفته بنفسه مع ربه فإن تعظيم الناس للشخص سم قاتل مؤثر فيه أثرا يؤديه إلى الهلاك وهذا أيضا من الأسباب المؤدية إلى مفارقة الموطن والأغتراب عن الأهل فحيث وجد قلبه مع الله أقام أخبرني شيخي أبو الحسين ابن الصائغ الزاهد المحدث بسبتة قال سمعت شيخنا أبا عبد الله محمد بن رزق رحمه الله في سياحة كنا معه فيها أقرأ عليه بعض أجزاء الحديث وكان صاحب رواية يقول مررت في سياحتي بمسجد خراب في فلاة من الأرض فقلت أدخل أركع فيه ركعتين فدخلته فوجدت قلبي فقعدت فيه سنتين فأين زمان ركعتين من سنتين فمطلوبهم بالغربة عن الأوطان وجود القلب مع الله فحيثما وجدوه قاموا في ذلك الموضع قال بعضهم كنت مارا إلى مكة فرأيت في الطريق شابا تحت شجرة وهو يصلي في البرية وحده فقلت له ألا تمشي إلى مكة فقال لي كنت أسير إلى مكة عام أول فلما مررت بهذه الشجرة وجدت قلبي فلي هنا سنة لا أبرح من هذا الموضع ألا أن فقدت قلبي قال فبعد سنة مررت بذلك الموضع وبتلك الشجرة فلم أجد الشاب فمشيت غير بعيد فإذا بالشاب قائم يصلي فسلمت عليه فعرفتي فقلت له رأيتك قد تركت تلك السمرة فقال لي لما فقدت قلبي أخذت في طريقي الذي نويت أولا أريد مكة فإنتهيت إلى هذا الموضع فوجدت قلبي فإنا به أيضا مقيم فقلت له من أين طعامك وشرابك قال من عنده يجيئني به في الوقت الذي يريد أن يغذيني قال فتركته وأنصرفت وما أدري ما أنتهى إليه أمره بعد ذلك فقد يطلبون بالغربة وجود قلوبهم مع الله وأما غربة العارفين عن أوطانهم فهي مفارقتهم لأمكانهم فإن الممكن وطنه الأمكان فيكشف له أنه الحق والحق ليس وطنه الأمكان فيفارق الممكن وطن أمكانه لهذا الشهود ولما كان الممكن في وطنه الذي هو العدم مع ثبوت عينه سمع قول الحق له كن فسارع إلى الوجود فكان ليرى موجده فأغترب عن وطنه الذي هو العدم رغبة في شهود من قال له كن فلما فتح عينه أشهده الحق أشكاله من المحدثات ولم يشهد الحق الذي سارع إلى الوجود من أجله وفي هذه الحال قلت
Shafi 517