Futohatin Makkiya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Mai Buga Littafi
دار إحياء التراث العربي
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
1418هـ- 1998م
Inda aka buga
لبنان
فمن يتب أدرك مطلوبه . . . من توبة الناس ولا يعلموا فالتوابون أحباب الله بنص كتاب الناطق بالحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ومن الأولياء أيضا المطهرون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله القدوس بتطهيره فتطهيرهم تطهير ذاتي لا فعلى وهي صفة تنزيه وهو تعمل في الطهارة ظاهرا وفي الحقيقة ليس كذلك ولهذا أحبهم الله فانها صفة ذاتية له يدل عليها أسمه القدوس السلام فأحب نفسه والصورة فيهم مثل الصورة في التوابين ولهذا قرن بينها في آية واحدة فقال ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فعين محبته لهم ليعلم ان صفة التوبة ما هي صفة التطهير وجاور بينهما الأحدية المعاملة من الله في حقهما من كونه ما أحب سوى نفسه وأعلم ان المتطهر في هذا الطريق من عباد الله الأولياء هو الذي تطهر من صفة يحول بينه وبين دخوله على ربه ولهذا أشرع في الصلاة الطهارة لان الصلاة دخول على الرب لمناجاته والصفات التي تحول بين العبد وبين دخوله على ربه هي كل صفة ربانية لاتكون إلا لله وكل صفة تدخله على ربه ويقع بها لهذا العبد التطهير فهي صفاته التي لايستحقها ألا العبد ولا ينبغي ان تكون ألا له ولو خلع الحق عليه جميع الصفات التي لاننبغي ألا له ولابد من خلعها عليه لاتبرح ذاته من حيث تجلى الرب له موصوفة لصفاته التي له فان كان التجلي ظاهرا كان حكم صفاته عليه ظاهرا مثل الخشوع والخضوع وخمود الجوارح وسكون الأعضاء والارتعاش الضروري وعدم الالتفات وان كان التجلي باطنا لقلبه كان أيضا حكم صفاته في باطنه قائما وسواء كان موصوفا في ظاهره في ذلك الحال بصفة ربانية أي حكمها ظاهر عليه من قهره استيلاء أو قبض أو عطاء أو عطف أو حنان فالتجلي في الباطن بصفات العبودة لازم لا ينفك عنه باطن المتطهر أبدا فان طهارة القلب مثل سجوده إذا تطهر وصح تطهيره لا تنتقض طهارته أبدا وكل من قال في هذا بتجديد طهارة القلب وان طهارته يدخل عليها في القلب ما ينقضها فهو حديث نفس أعني طهره ما تطهر قط فان طهارة القلب مؤيدة وهؤلاء هم المتطهرون الذين أحبهم الله وهي حالة مكتسبة يتعمل لها الانسان فان التفعل تعمل الفعل ثم الكلام في التعمل في ذلك على صورة ما ذكرناه في التواب سواء آنفا وبالله التوفيق وهو الهادي إلى الصراط المستقيم ومن الأولياء أيضا الحامدون من رجال ونساء رضى الله عنهم ولاهم الله بعواقب ما تعطيه صفات الحمد فهم أهل عاقبة الأمور قال الله تعالى : ' ولله عاقبة الأمور ' فالحامد من عباد الله من يرى في الحمد المطلق على ألسنة العالم كله سواء كان الحامدون من أهل الله أولم يكونوا وسواء كان المحمود الله أو كان مما يحمد الناس به بعضهم بعضا فانه في نفس الأمر يرجع عواقب الثناء كله إلى الله لا إلى غيره فالحمد انما هو لله خاصة بأي وجه كان فالحامدون الذين أثنى الله عليهم في القران هم الذين طالعوا نهايات الأمور في ابتدائها وهم أهل السوابق فشرعوا في حمده ابتداء بما يرجع إليه سبحانه وتعالى جل جلاله من حمد المحجوبين انتهاء فهؤلاء هم الحامدون على الشهود بلسان الحق ومن الأولياء أيضا السائحون وهم المجاهدون في سبيل الله من رجال ونساء قال صلى الله عليه وسلم ' سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله قال تعالى ' التائبون العابدون الحامدون السائحون ' والسياحة المشي في الأرض للإعتبار برؤية آثار القرون الماضية ومن هلك من الأمم السالفة وذلك ان العارفين بالله لما علموا ان الأرض تزهو وتفخر بذكر الله عليها وهم رضى الله عنهم أهل إيثار وسعي في حق الغير ورأو ان المعمور من الأرض لا يخلو عن ذاكر لله فيه من عامة الناس وان المفاوز المهلكة البعيدة عن العمران لا يكون فيها ذاكر لله من البشر لزم بعض العارفين السياحة صدقة منهم على البيد التي لا يطرقها إلا أمثالهم وسواحل البحار وبطون الأودية وقنن الجبال والشعاب والجهاد في أرض الكفر التي لا يوحد الله تعالى فيها ويعبد فيها غير الله ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم سياحة هذه الأمة الجهاد فان الأرض وان لم يكفر عليها ولا ذكر الله فيها أحد من البشر فهي أقل حزنا وهما من الأرض التي عبد غير الله فيها وكفر عليها وهي أرض المشركين والكفار فكان السياحة بالجهاد أفضل من السياحة في غير الجهاد ولكن بشرط ان يذكر الله عليها ولابد فان ذكر الله في الجهاد أفضل من لقاء العدو فيضرب المؤمنون رقابهم ويضرب الكفار رقاب المؤمنين والمقصود أعلاء كلمة الله في الأماكن التي يعلو فيها ذكر غير الله ممن يعبد من دون الله فهؤلاء هم السائحون لقيت من أكابرهم يوسف المغاور الجلاء ساح مجاهدا في أرض العدو عشرين سنة وممن رابط بثغر الأعداء شاب بجلمانية نشأ في عبادة الله تعالى يقال له أحمد بن همام الشقاق بالاندلس وكان من كبار الرجال مع صغر سنه انقطع إلى الله تعالى على هذه الطريق وهو دون البلوغ وأستمر حاله على ذلك إلى ان مات ومن الأولياء أيضا الراكعون من رجال ونساء رضى الله عنهم وصفهم الله في كتابه بالراكعين وهو الخضوع والتواضع لله تعالى من حيث هويته سبحانه ولعزته وكبريائه حيث ظهر من العالم أذكان العارف لاينظر العالم من حيث عينه وانما ينظره من حيث هو مظهر لصفات الحق قال الله تعالى ' كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ' وقال ' ذق انك انت العزبز الكريم ' وقال الكبرياء ردائي والعظمة أزاري من نازعني واحدا منهما قصمته فالعين هالكة والصفة قائمة فالراكعون ركعوا للصفة لاللعين لانهم سمعوا الحق يقول من نازعني واحدا منهما قصمته فعلموا انها صفة الحق لاصفتهم ولهذا أوقع التنازع فيهما فعرفوا من العالم مالم يعرف العالم من نفسه فلو كان الكبرياء والجبروت والعزة والعظمة التي يدعيها الغزيز الجبار العظيم المتكبر من العباد صفة لهم حقيقة لماذمهم ولاأخذهم أخذة رابية كما انه لم يأخذهم بكونهم أذلاء خاشعين حقراء محقرين فان الحقارة والذلة والصغار صفتهم فمن ظهر بصفته لم يؤاخذه الله لانه كيف يؤاخذه إذا ظهر بما هو حق له ولما لم يكن لهم الجبروت ومافي معناه وظهروا به أهلكهم الله فتحقق عند العارفين انها صفة الحق تعالى ظهرت فيمن أراد الله ان يشقيه فتواضع العارفون للجبابرة والمتكبرين من العالم للصفة لالعينهم أذكان الحق هو مشهودهم في كل شيء حتى الانحناء في السلام عند الملاقاة ربما انحنى العارفون لأخوانهم عند مايلقونهم في سلامهم فيسر بذلك الشخص الذي ينحني من أجله وسروره انما هو من جهله بنفسه حيث تخيل ان ذلك الانحناء والركوع له ممن لقيه انما هو لما يستحقه من الرفعة فيفعله عامة الأعاجم مقابلة جهل بجهل وعادة وعرفا وهم لايشعرون ويفعله العارفون مشاهدة جبروت إلهي يجب الانحناء له أذ ل يرون ألا الله قال لبيد ' ألا كل شيء ما خلا الله باطل ' والباطل هو العدم بلا شك والوجود كله حق فما ركع الراكع إلا لحق وجودي باطنه عدم وهو غين المخلوق فان قلت فالراكع أيضا وجود قلنا صدقت فان الاسماء الإلهية التي تنسب إلى الحق على مراتب في النسبة بعضها يتوقف على بعض لها المهيمنية على بعض وبعضها أعم تعليقا وأكثر أثرا في العالم من بعض والعالم كله مظاهر هذه الاسماء الإلهية فيركع الاسم الذي هو تحت حيطه غيره من الاسماء للأسم الذي له المهيمنية عليه فيظهر ذلك في الشخص الراكع فكان انحناء حق لحق ألا نرى الأحاديث الواردة الصحيحة بالفرح الإلهي والتبثيش والنزول والتعجب والضحك أين هذه الصفات من ليس كمثله شئ ومن هو القاهر فوق عباده وأمثال ذلك من صفات العظمة فمن ركع فبهذه الصفة فهي الراكعة ومن تعاظم فبتلك الصفة أيضا الإلهية فهي العظمة والراكعون من الأولياء على هذا الحد هو ركوعهم ومن الأولياء أيضا الساجدون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بسجود القلوب فهم لا يرفعون رؤسهم لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو حال القربة وصفة المقربين ولا يكون السجود إلا عن تجلي وشهود ولهذا قال له ' واسجد واقترب ' يعني إقتراب كرامة وبر وتحف كما يقول الملك للرجل إذا دخل عليه فحياه بالسجود له بين يديه وهو يقول له أدنه أدنه حتى ينتهي منه حيث يريد من القربة فهذا معنى قوله واقترب في حال السجود اعلاما بانه قد شاهد من سجد له وانه بين يديه فيقول له الملك اقترب ليضاعف له القربة كما قال ' من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا ' إذا كان اقتراب العبد عن أمر إلهي كان أعظم وإتم في بره وإكرامه لانه ممتثل أمر سيده على الكشف فهذا هو سجود العارفين الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يطهر بيته لهم ولأمثالهم فقال عز من قائل ' وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود ' وقال لنبيه عليه الصلاة والسلام ' فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ' يريد الذين لا يرفعون رؤوسهم أبدا أو لا يكون ذلك إلا في سجود القلب ولهذا قال له عقيب قوله ' وكن من الساجدين ' تمم فقال ' واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ' فتعرف باليقين من سجد منك ولمن سجدت فتعلم انك ألة مسخرة بيد حق قادر اصطفاك وطهرك وحلاك بصفاته فصفاته سبحانه طلبته بالسجود لذاته لنسبتها إليه فانظر يا أخي سر ما أشرنا إليه في هذه المسئلة إذ كانت النسب أو الصفات أو الاسماء لا تقوم بانفسها لذاتها فهي طالبة بطلب ذاتي لعين تقوم بها فيظهر حكمها بان توصف تلك العين بها أو تسمى بها أو تنسب إليها كيف ما شئت من هذا كله فقل ' وقل ربي زدني علما ' وكذلك انظر في قوله وتنبه الذي يراك حين تقوم وتلقبك في الساجدين فأشار إلى تنوع الحالات عليه في حال سجوده من غير رفع يتخلل ذلك ولقد رفع وقام وركع وثنى السجود ولم يثن حالة من حالات صلانه إلا السجود لشرفه في حق العبد فأكده بتثنيته في كل ركعة فرضا واجبا وركنا لا ينجبر إلا بالإتيان به ومن الأولياء الأمرون بالمعروف من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالأمر إذ كان هو المعروف فلا فرق ان تقول الآمرون بالله أو الأمرون بالمعروف لانه سبحانه هو المعروف الذي لا ينكر ' ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ' مع كونهم مشركين وقالوا ' ما نعبدهم ' يعني الألهة إلا ليقربونا إلى الله زلفى فهو المعروف عندهم بلا خلاف في ذلك في جميع النحل والملل والعقول قال صلى الله عليه وسلم ' من عرف نفسه عرف ربه ' فهو المعروف فمن أمر به فقد أمر بالمعروف ومن نهى به فقد نهى عن المنكر بالمعروف فالآمرون بالمعروف هم الآمرون على الحقيقة بالله فانه سبحانه إذا أحب عبده كان لسانه الذي يتكلم به والأمر من أقسام الكلام فهم الآمرون به لانه لسانهم فهؤلاء هم الطبقة العليا في الأمر بالمعروف وكل أمر بمعروف فهو تحت حيطه هذا الأمر فاعلم ذلك ومن الأولياء أيضا الناهون عن المنكر من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالنهي عن المنكر بالمعروف والمنكر الشريك الذي أثبته المشركون بجعلهم فلم يقبله التوحيد العرفاني الإلهي وانكره فصار منكر من القول وزورا فلم يكن ثم شريك له عين أصلا بل هو لفظ ظهر تحته العدم المحض فانكرته المعرفة بتوحيد الله الوجودي فسمى منكرا من القول إذا القول موجود وليس بمنكر عيني فانه لا عين للشريك إذ لا شريك في العالم عينا وان وجد قولا ونطقا فهم الناهون عن المنكر وهو عين القول خاصة فليس لمنكر من المنكرات عين موجودة فلهذا وصفهم الله بانهم الناهون عن المنكر ولكن نهيهم بالمعروف في ذلك ومن الأولياء أيضا الحلماء من رجال ونساء رضى الله عنهم وما من صفة للرجال الا وللنساء فيها مشرب تولاهم الله بالحلم وهو ترك الأخذ بالجريمة في الحال مع القدرة على ذلك فلم يعجل فان العجلة بالأخذ عقيب الجريمة دليل على الضجر وحكمه في المستانف في المشيئة فالحليم هو الذي لا يعجل مع القدرة وارتفاع المانع والعلم السابق مانع وهو محجوب عن العبد قبل الإتصاف بصفة الحلم فالعبيد على الحقيقة إذا لم يعجلوا بالأخذ عقيب الجريمة مع القدوة هم الحلماء فانهم لا علم لهم سابق يمنع من وقوع الأخذ لا في نفس الأمر فان حلم العبد من العلم الإلهي السابق ولا يشعر به العبد حتى تقوم به صفة الحلم فحينئذ يعلم ما أعطاه حكم علم الله في حكمه ولهذا ان تقدمه العلم بذلك لا يسمى حليما على جهة التشريف فالحق يوصف بالحلم لعدم الأخذ لا على طريق التشريف والعبد ينعت بالحليم لعدم الأخذ أيضا ولكن على طريق التشريف لجهله بما في علم الله من ذلك قبل أتصافه بعدم المؤاخذة والأمهال من غير أهمال فشرف الحق بالعلم لابالحلم وشرف العبد بالحلم لابالعلم لجهله بذلك فان علم قبل قيام صفة الحلم به لم يكن له الحلم تشريفا فالأمر فيه بمنزلة من هو مجبور في أختياره فلا يثني عليه بالأختيار ألامع رفع العلم عنه بالجبر في ذلك الأختيار سواء لان الأختيار يناقص الجبر فيعلم الانسان عند ذلك ماهو المراد بالأختيار ويرى انه ماثم في الوجودين ألا الجبر من غير أكراه فهو مجبور غير مكره وهذه المسئلة من أعظم المسائل في المعارف وكم هلك فيها من الخلق قديما وحديثا ومن الأولياء أيضا الأواهون من رجال ونساء رضى الله عنهم لقيت منهم أمرأة بمرشانة لزيتون من بلاد الاندلس تدعى بشمس مسنة تولى الله هذا الصنف بالتأوه مما يجدونه في صدورهم من ردهم لقصورهم من عين الكمال والنفوذ ويكون عن وجود أو عن وجود وجد على مفقود أثنى الله تعالى على خليله إبراهيم عليه السلام بذلك ان إبراهيم لحليم أواه ولاواه حليم فتأوه لما رأى من عبادة قومه مانحتوه وحلم فلم يعجل بأخذهم على ذلك مع قدرته عليهم بالدعاء عليهم ولهذا سمى حليما فلولم يقدر ولا مكنه الله من أخذهم ماسماه سبحانه حليما ولكنه عليه السلام علم انه في دار الأمتزاج من حال إلى حال فكن يرجولكم الإيمان فيما بعد فهذا سبب حلمه وجود الموطن الذي يقتضي التحول من العبد والقبول من الله فلو علم من قومه ماعلم نوح عليه السلام حيث قال ولايلدوا ألافاجرا كفارا ماحلم عنهم فالأواه هو الذي يكثر التأوه لبلواه ولما يقاسيه ويعانيه مما يشاهده ويراه وهو من باب الغيرة والحيرة والتأوه أمر طبيعي لامدخل له في الأرواح من حيث عروها عن الأمتزاج بالطبع ومن الأولياء الأجناد الألهيون الذين لهم الغلبة على الأعداء من رجال ونساء رضى الله عنهم قال تعالى ' وان جندنا لهم الغالبون ' فأضافهم إليه سبحانه من أسمه الملك فهم عبيد الملك وهنا سر فان العالم أجناده سلط بعضهم على بعض وما يعلم جنود ربك ألاهو أي مايحصيهم عدداتولى الله طائفة منهم بالعناية الألهية فأضافهم إلى نفسه بضمير الكناية عن ذاته ولم يصرح باسم إلهي معين منصوص عليه إكتفاء بتسميتهم جندا والأجناد لا تكون إلا للملك فبين انهم أهل عدة إذا كانت العدة من خصائص الأجناد التي تقع بها الغلبة على الأعداء والأعداء الذين في مقابلة هؤلاء الجند الشياطين والأهواء والمصارف المذمومة كلها وسلطانهم الهوى وعدة هؤلاء الجنود التقوى والمراقبة والحياء والخشية والصبر والإفتقار والميدان الذي يكون فيه المصاف والمقابلة إذا تر آي الجمعان بينهم وبين الأعداء هو العلم في حق بعض الأجناد والايمان في حق بعضهم والعلم والايمان معا في حق الطبقة الثالثة من الجند فان أجناد الانابة الذين لهم الغلبة على ثلاث طبقات الطبقة الخاصة العلية أهل علم بتوحيد الله وأهل علم برسول الله عن دليل عقلي برهاني وأهل إيمان مبناه على هذا العلم والطبقة الثانية أهل علم بتوحيد الله عن دليل منطقي من جهة النظر لا عن علم ضروري يجدونه في نفوسهم فانه من الجند فلا بد له من ألة يدفع بها العدو المنازع ولا يقدر يدفعه صاحب العمل الضروري لكونه عالما من هذا الوجه من غير دليل فإن العدو ما يندفع إلا بالدليل وترتيبه وأصحاب العلم بالله من جهة الضرورة طائفة أخرى لا يتميزون في الأجناد ولا يتعرضون لدفع عدو بشبهة قادحة والطبقة الثالثة أهل إيمان لا أهل علم فهم أهل إيمان يكون عنه خرق عوائد يقوم لهم ذلك مقام الأدلة للعالم فيدفعون بخرق العوائد أعداء الله وأعداءهم كما يدفعه صاحب الدليل فمثل هذه الطبقة هم المسمون جندا وأما المؤمنون الذين ليس عندهم خرق عادة لدفع عدوفليسوا بأجناد وان كانوا مؤمنين والجامع لمعرفة هذه الطبقة ان كل شخص يقدر على دفع عدو بألة تكون عنده فهو من جنده سبحانه وتعالى الذين لهم الغلبة والقهر وهو التأييد الإلهي الذي به يقع ظهورهم على الأعداء قال تعالى ' فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ' ومن الأولياء أيضا الأخيار من رجال ونساء رضى الله عنهم قال الله تعالى ' وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ' تولاهم الله بالخيرة قال تعالى ' أولئك لهم الخيرات ' جمع خيرة وهي الفاضلة من كل شئ ومنه ' فيهن خيرات حسان ' والفضل يقتضي الزيادة على ما يقع فيه الإشتراك مما لا يشترك فيه من ليس من ذلك الجنس فالأخيار كل من زاد على جميع الأجناس بأمر لا يوجد في غير جنسه من العلم بالله على طريق خاص لا يحصل إلا لأهل ذلك الجنس ثم في هذا الجنس العالم بهذا العلم الخاص الذي به سموا أخيارا منهم من أعطى الإفصاح عما علمه ومنهم من لم يعط الإفصاح عما علمه في نفسه فالذي أعطى الإفصاح أخير ممن هو دونه وهو المستحق بهذا الاسم فان الخير بالكسر الكلام يقال في فلان كرم وخير أي كرم وفصاحة فإذا أعطى الفصاحة عما عنده إهتدى به من سمع منه فكانت المنفعة به أتم فكان أفضل من غيره فانه أقرب إلى التشبيه بالاسم النافع فاعلم ذلك فقد بينت لك مرتبة الأخيار ولهذا ورد في أوصاف المرسلين لان الرسول لا بد ان يكون مؤيدا بالنطق ليبين لمن أرسل إليه ما أرسل به إليه فهم الأخيار أي أصحاب هذه الفضيلة ومن الأولياء أيضا الأوابون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالأوبة في أحوالهم قال تعالى ' انه كان لللأوابين غفورا ' يقال آبت الشمس لغة في غابت فالرجال الغائبون عند الله فلم يشهد حالهم مع الله أحد من خلق الله فان الله وصف نفسه بانه غفور لهم أي ساتر أي يستر مقامهم عن كل أحد سواه لانهم طلبوا الغيبة عنده حتى لا يكون لهم مشهود سواه سبحانه والآئب أيضا الذي يأتي القوم ليلا كالطارق والليل ستروهم الراجعون إلى الله في كل حال من كل ناحية يقال جاؤا من كل أوبة أي ناحية فالأواب الراجع إلى الله من كل ناحية من الأربع التي يأتي منها ابليس إلى الانسان من ناحية أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فهم يرجعون في ذلك كله إلى الله أو لا وآخر أفيما ذم وحمد من ذلك ولما اقتضى الأدب ان لا يرجعوا في حصول ماذم إلى الله وأقتضى لهؤلاء هذا الحال ان يرجعوا فيه إلى الله سمى نفسه غفورا للأوابين أي يغفر لهم هذا القدر الذي يصحبه من مقام آخر من سوء الأدب فالرجال الذين هم بهذه المثابة وهذه الصفة هم الأوابون ومن الأولياء أيضا المخبتون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالأخبات وهو الطمانينة قال إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي أي يسكن والخبت المطمئن من الأرض فالذين أطمانوا بالله من عباده وسكنت قلوبهم لما أطمانوا إليه سبحانه فيه وتواضعوا تحت أسمه رفيع الدرجات وذلوا لعزته وأولئك هم المخبتون الذين أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه ان يبشرهم فقال له وبشر المخبتين فان قيل ومن المخبتون فقل الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ماأصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون فهذه صفات المخبتين أي كانوا ساكنين فحركهم ذكر الله بحسب ماوقع به الذكر وصبروا أي حبسوا نفوسهم على ماأصابهم من ذلك ولم يمنعهم ذلك الوجل ولاغلبة الحال عن أقامة الصلاة إذا حضر وقتها على أتم نشأتها لما أعطاهم الله من القوة على ذلك ثم مع ماهم فيه من الصبر على مانابهم من الشدة فسألهم سائل وهم بتلك المثابة في رزق علمي أو حسي من سد جوعة أو ستر عورة أعطوه مما سألهم منه فلم يشغلهم شان عن شان فهذا انعت المخبتين الذي نعتهم الله به وهم ساكنون تحت مجاري الأقدار عليهم راضون بذلك من خبت النار إذا سكن لهبها ومن الأولياء أيضا المنيبون إلى الله من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالانابة إليه سبحانه قال تعالى ' ان إبراهيم لحليم أواه منيب ' والرجال المنيبون هم الذين رجعوا إلى الله من كل شيء أمرهم الله بالمرجوع عنه مع شهودهم في حالهم انهم نواب عن الله في رجوعهم أذ الرجوع عن الكشف انما هو لله أذ كانت نواصي الخلق بيده يصرفهم كيف يشاء فمن شاهد نفسه في رجوعهم أذ الرجوع عن الكشف انما هو الله أذ كانت نواصي الخلق بيده يصرفهم كيف يشاء فمن شاهد نفسه في انابته إلى ربه نائبا عن الله كما ينوب المصلي عن الله في قوله سمع الله لمن حمده وفي تلاوته كذلك رجوعه إلى الله كل حال يسمى منيبا فلهم خصوص هذا الوصف ومن الأولياء أيضا المبصرون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالأبصار وهو من صفات خصائص المتقين قال تعالى ' ان الذين أتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فهم علماء أهل تقوى طرأ عليهم خاطر حسن أصله شيطاني فوجدوا له ذوقا خاصا لايجدونه ألا إذا كان من الشيطان فيذكرهم ذلك الذوق بان ذلك الخاطر من الشيطان فإذا هم مبصرون أي مشاهدون له بالذوق فان أقتضى العلم أخذه وقلب عينه ليحزن بذلك الشيطان أخذه ولم يلتفت منه وكان من المبصرين فعلم كيف يأخذ مايجب أخذه من ذلك ففرق بينه وبين مايجب تركه كما قال عيسى عليه السلام لما قال له أبليس حين تصور له على انه لايعرفه فقال له ياروح الله قل لاأله ألا الله رجاء منه ان يقول ذلك لقوله فيكون قد أطاعه بوجه ما وذلك هو الايمان فقال له عيسى عليه السلام أقولها لا لقولك لاأله ألا الله فجمع بين القول ومخالفة غرض الشيطان لاأمتثالا لأمر الشيطان فمن عرف كيف يأخذ الأشياء لا يبالي على يدي من جاء الله بها إليه وان أقتضى العلم رد ذلك في وجهه رده فهذا معنى قوله تذكروا ولا يكون التذكر ألا لمعلوم قد نسى فإذا هم مبصرون أي رجع إليهم نظرهم الذي غاب عنهم رجع بالتذكر ومن الأولياء أيضا المهاجرون والمهاجرات رضى الله عنهم تولاهم الله بالهجرة بان ألهمهم إليها ووفقهم لها قال تعالى ' ومن يخرج من بيته مهاجر إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ' فالمهاجر من ترك ما أمره الله ورسوله بتركه وبالغ في ترك ذلك لله خالصا من كل شبهة عن كرم نفس وطواعية لا عن كره واكراه ولا رغبة في جزاء بل كرم نفس بمقاساة شدائد يلقاها من المنازعين له في ذلك ويسمعونه ما يكره من الكلام طبعا فيتغير عند سماعه ويكون ذلك كله عن اتساع في العلم والدؤوب على مثل هذه الصفة وتقيده في ذلك كله بالوجوه المشروعة لا بأغراض نفسه ويكون به كمال مقامه فإذا اجتمعت هذه الصفات في الرجل فهو مهاجر فان فاته شئ من هذه الفصول والنعوت فانه من المقام الحسن ما فاته من الحال وانما قلنا هذا كله واشترطناه لما سماه الله مهاجرا والله بكل شيء عليم فكل ما يدخل تحت هذا اللفظ مما ينبغي أن يكون وصفا حسنا للعبد فيسمى به صاحب هجرة اشترطناه في المهاجر لا نسحاب هذه الحقيقة اللفظية في نفس الوضع على ذلك المعنى الذي اشتق من لفظه هذا الاسم ومن الأولياء أيضا المشفقون من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالإشفاق من خشية ربهم قال تعالى ' ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون ' يقال أشفقت منه فإنا مشفق إذا حذرته قال تعالى ' من عذاب ربهم مشفقون ان عذاب ربهم غير مأمون ' أي حذرون من عذاب ربهم غير آمنين يعني وقوعهم بهم ولا يقال أشفقت منه إلا في الحذر ويقال أشفقت عليه إشفاقا من الشفقة والأصل واحد أي حذرت عليه فالمشفقون من الأولياء من خاف على نفسه من التبديل والتحويل فان أمنه الله بالبشرى مع اشفاقه على خلق الله مثل اشفاق المرسلين على أممهم ومن بشر من المؤمنين وهم قوم ذووا كبدرطبة لهم حنان وعطف إذا أبصروا مخالفة الأمر الإلهي من أحدار تعدت فرائصهم اشفاقا عليه ان ينزل به أمر من السماء ومن كان بهذه المثابة فالغالب على أمره انه محظوظ في أفعاله فلا يتصور منه مخالفة لما تحقق به من صفة الإشفاق فلما كانت ثمرة الإشفاق الإستقامة على طاعة الله أثنى الله عليهم بانهم مشفقون للتغيير الذي يقوم بنفوسهم عند رؤية الموجب لذلك مأخوذة من الشفق الذي هو حمرة بقية ضوء الشمس إذا غربت أو إذا أرادت الطلوع ومن الأولياء الموفون بعهد الله من رجال ونساء رضى الله عنهم تولاهم الله بالوفاء قال تعالى ' والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ' وقال ' الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ' وهم الذين لا يغدرون إذا عهدوا ومن جملة ما سأل قيصر ملك الروم عنه أبا سفيان بن حرب حين سأله عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم هل يغدر فالوفاء من شيم خاصة الله فمن أتى في أموره التي كلفه الله ان يأتي بها على التمام وكثر ذلك في حالاته كلها فهو وفي وقد وفى قال تعالى ' وابراهيم الذي وفى ' وقال تعالى ' ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ' يقال وفي الشئ وفيا على فعول بضم فاء الفعل إذا تم وكثروهم على أشراف على الأسرار الإلهية المخزونة ولهذا يقال أوفى على الشئ إذا أشرف فمن كان بهذه المثابة من الوفاء بما كلفه الله وأشرف على ما اختزنه الله من المعارف عن أكثر عباده فذلك هو الوفي ومن توفاه الله في حياته في دار الدنيا أي اناه من الكشف ما يأتي للميت عند الإحتضار إذ كانت الوفاة عبارة عن إتيان الموت فإذا طولع العبد على هذه المرتبة أوجبت له الوفاء بعهود الله التي أخذها عليه فقد يكون الوفاء بعهود الله التي أخذها عليه فقد يكون الوفاء لأهل هذه الصفة سبب الكشف وقد يكون الكشف في حق طائفة منهم سبب الوفاء ومن الأولياء أيضا الواصلون ما أمر الله به ان يوصل من رجال ونساء رضى الله عن جميعهم تولاهم الله بالتوفيق بالصلة لمن أمر الله به ان يوصل قال تعالى ' ويصلون ما أمر الله به ان يوصل ' يعني من صلة الأرحام وان يصلوا من قطعهم من المؤمنين بما أمكنهم من السلام عليهم فما فوقه من الإحسان ولا يؤاخذ بالجريمة التي له الصفح عنها والتغافل ولا يقطعون أحدا من خلق الله إلا من أمرهم الحق بقطعه فيقطعونه معتقدين قطع الصفة لا قطع ذواتهم فان الصفة دائمة القطع في حق هؤلاء اتصف بها من اتصف فهم ينتظرون به رحمة الله ان تشمله والوصل ضد القطع ولماكان الوجود مبنيا على الوصل ولهذا دل العالم على الله واتصف بالوجود الذي هو الله فالواصل أصل في الباب والقطع عارض يعرض ولهذا جعل الله بينه وبين عباده حبلا منه إليهم يعتصمون به ويتمسكون ليصح الوصلة بينهم وبين الله سبحانه قال النبي صلى الله عليه وسلم ' الرحم شجنة من الرحمن أي هذه اللفظة أخذت من الاسم الرحمن عينا وغيبا فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ' وقطعه إياها هو قطع الله لا أمر زائد فلما علموا ان الحق تعالى ما دعاهم إليه ولا شرع لهم الطريق الموصل إليه ليسعدوا بالإتصال به فهم الواصلون أهل الانس والوصال الله ان تشمله والوصل ضد القطع ولماكان الوجود مبنيا على الوصل ولهذا دل العالم على الله واتصف بالوجود الذي هو الله فالواصل أصل في الباب والقطع عارض يعرض ولهذا جعل الله بينه وبين عباده حبلا منه إليهم يعتصمون به ويتمسكون ليصح الوصلة بينهم وبين الله سبحانه قال النبي صلى الله عليه وسلم ' الرحم شجنة من الرحمن أي هذه اللفظة أخذت من الاسم الرحمن عينا وغيبا فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ' وقطعه إياها هو قطع الله لا أمر زائد فلما علموا ان الحق تعالى ما دعاهم إليه ولا شرع لهم الطريق الموصل إليه ليسعدوا بالإتصال به فهم الواصلون أهل الانس والوصال
Shafi 40