Futohatin Makkiya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Mai Buga Littafi
دار إحياء التراث العربي
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
1418هـ- 1998م
Inda aka buga
لبنان
اختلف علماء الإسلام فيمن وقف بعرفة بعد الزوال ثم دفع منها قبل الإمام وبعد الغيبوبة فقيل أجزأه لأنه جمع بعرفة بين الليل والنهار فإن دفع قبل الغروب قيل عليه دم وقيل لا شيء عليه وحجه تام والذي أقول به أنه لا شيء عليه وأن حجه تام الأركان غير تام المناسك لأنه ترك الأفضل لا شك أنه من ترك شيأ من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مما لم ينفرض عليه فإنه ينقص من محبة الله إياه على قدر ما نقص من اتباع الرسول وأكذب نفسه في محبته لله لعدم إتمام الاتباع وعند أهل طريق الله لو اتبعه في جميع أموره وأخل بالاتباع في أمر واحد مما لم ينفرض عليه بل خالف سنة الاتباع في ذلك مما أبيح له الاتباع فيه أنه ما اتبعه قط وإنما اتبع هوى نفسه لا هو مع ارتفاع الأعذار الموجبة لعدم الاتباع هذا مقرر عندنا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لأمتك إن كنتم تحبون الله فاتبعوني فجعل الاتباع دليلا وما قال في شيء دون شيء يحببكم الله والله يقول ' لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ' وهو الاتباع وقال ' وأفوفوا بعهدي ' في دعواكم محبتي أوف بعهدكم وهو أني أحبكم إذا صدقتم في محبتي وجعل الدليل على صدقهم حصول محبة الله إياهم وحصول محبة الله إياهم دليل الاتباع في أمر ما فالحق ينوب عنه عندي حكاية قال أبو يزيد في هذا الباب كنت أظن في بري بأمي أني ما أقوم فيه لهوى نفسي بل لتعظيم الشريعة حيث أمرتني ببرها فكنت أجد في نفسي لذة عظيمة كنت أتخيل أن تلك اللذة من تعظيم الحق عندي لا من موافقة نفسي فقالت لي في ليلة باردة اسقني يا أبا يزيد ماء فثقل علي التحرك لذلك فقلت والله ما خفف علي ما كانت تكلفني فعله إلا الموافقة كان في نفسي من حيث لا أشعر فأبطل عمله وما سلم لها قال أبو يزيد فقمت بمجاهدة وجئت بالكوز إليها فوجدتها قد سارع إليها النوم ونامت فوقفت بالكوز على رأسها حتى استيقظت فناولتها الكوز وقد بقي في أذن الكوز قطعة من جلد أصبعي لشدة البرد انقرضت فتألمت الوالدة لذلك قال أبو يزيد فرجعت إلى نفسي وقلت لها حبط عملك في كونك كنت تدعين النشاط في عبادتك والاتباع إن ذلك من محتبك الله فإنه ما كلفك ولا ندبك وأوجب عليك إلا ما هو محبوب له وكل ما يأمر به المحبوب عند المحب محبوب ومما أمرك الله به يا نفسي البر بوالدتك والإحسان إليها والمحب يفرح ويبادر لما يحبه حبيبه ورأيتك قد تكاسلت وتثاقلت وصعب عليك أمر الوالدة حين طلبت الماء فقمت بكسل وكراهة فعلمت أنه كل ما نشطت فيه من أعمال البر وفعلته لا عن كسل ولا تثاقل بل عن فرح والتذاذ به إنما كان ذلك لهوى كان لك فيه لا لأجل الله إذ لو كان لله ما صعب عليك الإحسان لوالدتك وهو فعل يحبه الله منك وأمرك به وأنت تدعين حبه وإن حبه أورثك النشاط واللذة في عبادته فلم يسلم لنفسه هذا القدر وكذلك غير أبي يزيد من أهل الله كان يحافظ على الصف الأول دائما منذ سبعين سنة وهو يزعم أنه يفعل ذلك رغبة فيما رغبه الله فيه موافقة لله فاتفق له عائق عن المشي إلى الصف الأول فخطر له خاطر أن الجماعة التي تصلي في الصف الأول إذا لم يروه يقولون أين فلان فبكى وقال لنفسه خدعتني منذ سبعين سنة أتخيل أني لله وأنا في هواك وماذا عليك إذا فقدوك فتاب وما رؤي بعد ذلك يلزم في المسجد مكانا واحدا معينا ولا مسجدا معينا فهكذا حاسب القوم نفوسهم ومن كانت حالته هذه ما يستوي مع من هو فاقد لهذه الصفة كذلك من وقف مع الإمام لأنها عبادة يشترط فيها الإمام إلى أن يدفع معه ما يستوي في الاتباع مثل من دفع قبله .
وصل في فصل من وقف بعرنة من عرفة فإنه منها
اختلف العلماء فيمن وقف بعرنة بعرفة فإنه من عرفة فقيل حجه تام وعليه دم وقال بعضهم لا حج له عرنة من عرفة موقف إبليس فإن إبليس يحج في كل سنة وذلك موقفه يبكي على ما فاته من طاعة ربه وهو مجبور في الإغواء وإن كان من اختياره إبرارا لقسمه بربه فإنه وإن سبق له الشقاء فله شبهة يستند إليها في امتثاله أمر سيده بعد أن حقت الكلمة كلمة العذاب عليه بقوله تعالى قال اذهب واستفزز وأجلب وعدهم فإنه يجد لذلك تنفيسا ومع هذا فإنه يحزن لما يرى من المغفرة التي حصلت لأهل عرفة الشاملة لهم وهو فيها أعني بعرفة فلا بد له عند نفسه من طرف منها يناله من عين المنة الإلهية ولو بعد حين هذا ظنه بربه وأما خروجه من جهنم فلا سبيل إليه لأنه وأتباعه من المشركين الذين هم أهل النار يملأ الله بهم جهنم ولا نقص فيها بعد ملئها فلا خروج وأمر الله الحاج أن يرتفع عن موقف إبليس فإنه موقف البعد فإبليس تحت حكم الاسم البعيد وأهل عرفة تحت حكم الاسم القريب فما برحوا من حكم الأسماء فحج من وقف بعرنة لكونه من عرفات تام إلا أنه ناقص الفضيلة كما بينا في الدفع قبل الإمام فعرنة موضع مكروه للوقوف به من أجل مشاركة الشيطان ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع في ذلك عن بطن الوادي الذي فاتته فيه صلاة الصبح فعلل وقال إنه واد به شيطان لأنه هو الذي هدأ بلالا حتى نام عن مراقبة الفجر وقد ورد في الحديث أن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد الحديث فما أراد صلى الله عليه وسلم بارتفاعه عن بطن عرنة إلا البعد من مجاورة الشيطان ولو صلى في ذلك الموضع أجزأه أعني الموضع الذي أصابته فيه الفتنة ففارق الموضع مفارقة تنزيه لا مفارقة تحريم ولما كان لإبليس طرف من المعرفة لذلك لم تطرده الملائكة عن عرنة فإن حد المزدلفة حرف الوادي الذي هو عرنة وقال تعالى ' فإذا أفضتم من عرفات ' ولم يخص مكانا من مكان بل الخروج عنها بالكلية إلى المزدلفة وقد علمنا أن الله يغفر لأهل الموقف من الحاج وغيرهم ورحمة الله وسعت كل شيء فالتقييد ما هو من صفة من له الوجود المطلق فبرحمة الله يحيا ويرزق كل موجود سوى الله فالرحمة شاملة وهي في كل موطن تعطي بحسب ذلك الموطن فأثرها في النار بخلاف أثرها في الجنة والله الموفق لا رب غيره .
Shafi 853