Futohatin Makkiya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Mai Buga Littafi
دار إحياء التراث العربي
Bugun
الأولى
Shekarar Bugawa
1418هـ- 1998م
Inda aka buga
لبنان
بعينه لا بعيني . . . فما يراه سواه تنزيها لمقامه وتصديقا بكلامه فإنه القائل لا تدركه الأبصار ولم يخص دارا من درا بل أرسلها آية مطلقة ومسئلة معينة محققة فلا يدركه سواه فبعينه سبحانه أراه في الخبر الصحيح كنت برصه الذي يبصر به فتيقظ أيها الغافل النائم عن مثل هذا وانتبه فلقد فتحت عليك بابا من المعارف لا تصل إليه الأفكار لكن تصل إلى قبوله العقول أما بالعناية الإلهية أو بجلاء القلوب بالذكر والتلاوة فيقبل العقل ما يعطيه التجلي ويعلم أن ذلك خارج عن قوة نفسه من حيث فكره وإن فكره لا يعطيه ذلك أبدا فيشكر الله تعالى الذي أنشأه نشأة يقبل بها مثل هذا وهي نشأة الرسل والأنبياء وأهل العناية من الأولياء وذلك ليعلم أن قبوله أشرف من فكره فتحقق يا أخي بعد هذا من يتجلى لك من خلف هذا الباب فهي مسئلة عظيمة حارت فيها الألباب ثم إن الشارع وهو الصادق سمى هذا الباب الذي هو الحضرة البرزخية التي تنتقل إليها بعد الموت ونشهد نفوسنا فيها بالصور والناقور والصور هنا جمع صورة بالصاد فينفخ في الصور وينقر في الناقور وهو هو بعينه واختلفت عليه الأسماء لاختلاف الأحوال والصفات واختلفت الصفات فاختلفت الأسماء فصارت أسماؤه كهو يحار فيها من عادته يفلي الحقائق ولا يرمي منها بشيء فإنه لا يتحقق له أن النقر أصل في وجود اسم الناقور أو الناقور أصل في وجود اسم النقر كمسئلة النحوي هل الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل ثم فارق مسئلة النحوي بشيء آخر حتى لا يشبه مسئلة النحوي في الاشتقاق بقوله نفخ في الصور ولم يقل في المنفوخ فيه فهل كونه صورا أصل في وجود النفخ أو وجود نفخ أصل في وجود اسم الصور ولما ذكر الله تعديل صورة الإنسان قال ونفخت فيه وقال في عليه السلام عليه السلام قبل خلق صورته فنفخنا فيها من روحنا فظهرت الصورة فوقعت الحيرة ما هو الأصل هل الصورة في وجود النفخ أو النفخ في وجود الصورة فهذا من ذلك القبيل ولاسيما وجبريل عليه السلام في الوقت المذكور في حال التمثل بالبشر ومريم قد تخيلت أنه بشر فهل أدركته بالبصر الحسي أو بعين الخيال فتكون ممن أدرك الخيال بالخيال وإذا كان هذا فينفتح عليك ما هو أعظم وهو هل في قوة الخيال أن تعطي صورة حسية حقيقة فلا يكون للحس فضل على الخيال لأن الحس يعطي الصور للخيال فكيف يكون المؤثر فيه مؤثرا فيمن هو مؤثر فيه فما هو مؤثر فيه وهذا محال عقلا فتفطن لهذه الكنوز فإن كنت حصلتها ما يكون في العالم أعني منك إلا من يساويك في ذلك واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الصور ما هو فقال صلى الله عليه وسلم ' هو قرن من نور ألقمه إسرافيل فأخبر أن شكله شكل القرن فوصف بالسعة والضيق فإن القرن واسع ضيق وهو عندنا على خلاف ما يتخيله أهل النظر في الفرق بين ما هو أعلى القرن وأسفله ونذكره إن شاء الله بعد هذا في هذا الباب فاعلم أن سعة هذا القرن في غاية السعة لا شيء من الأكوان أوسع منه وذلك أنه يحكم بحقيقته على كل شيء وعلى ما لبس بشيء ويتصور العدم المحض والمحال والواجب والإمكان ويجعل الوجود عدما والعدم وجودا وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم أي من حضرة هذا ' اعبد الله كأنك تراه والله في قبلة المصلى ' أي تخيله في قبلتك وأنت تواجهه لتراقبه وتستحي منه وتلزم الأدب معه في صلاتك فإنك إن لم تفعل هذا أسأت الأدب فلولا أن الشارع علم أن عندك حقيقة تسمى الخيال لها هذا الحكم ما قال لك كأنك تراه ببصرك فإن الدليل العقلي يمنع من كان فإنه يحيل بدليله التشبيه والبصر فما أدرك شيأ سوى الجدار فعلمنا أن الشارع خاطبك أن تتخيل أنك تواجه الحق في قبلتك المشروع لك استقبالها والله يقول فأينما تولوا فثم وجه الله ووجه الشيء حقيقته وعينه فقد صور الخيال من يستحيل عليه بالدليل العقلي الصورة والتصور فلهذا كان واسعا وأما ما فيه من الضيق فإنه ليس في وسع الخيال أن يقبل أمرا من الأمور الحسية والمعنوية والنسب والإضافة وجلال الله وذاته إلا بالصورة ولو رام أن يدرك شيأ من غير صورة لم تعط حقيقته ذلك لأنه عين الوهم لا غيره فمن هنا هو ضيق في غاية الضيق فإنه لا يجرد المعاني عن المواد أصلا ولهذا كان الحس أقرب شيء إليه فإنه من الحس أخذ الصور وفي الصور الحسية يجلي المعاني فهذا من ضيقه وإنما كان هذا حتى لا يتصف بعدم التقييد وبإطلاق الوجود وبالفعال لما يريد إلا الله تعالى وحده ليس كمثله شيء فالخيال أوسع المعلومات ومع هذه السعة العظيمة التي يحكم بها على كل شيء قد عجز أن يقبل المعاني مجردة عن المواد كما هي في ذاتها فيرى العلم في صورة لبن أو عسل وخمر ولؤلؤ ويرى الإسلام في صورة قبة وعمد ويرى القرآن في صورة سمن وعسل ويرى الدين في صورة قيد ويرى الحق في صورة إنسان وفي صورة نور فهو الواسع الضيق والله واسع على الإطلاق عليم بما أوجد الله عليه خلقه كما قال تعالى ' أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي بين الأمور على ما هي عليه بإعطاء كل شيء خلقه وأما كون القرن من نور فإن النور سبب الكشف والظهور إذ لولا النور ما أدرك البصر شيأ فجعل الله هذا الخيال نورا يدرك به تصوير كل شيء أي أمر كان كما ذكرناه فنوره ينفذ في العدم المحض فيصوره وجودا فالخيال أحق باسم النور من جميع المخلوقات الموصوفة بالنورية فنوره لا يشبه الأنوار وبه تدرك التجليات وهو نور عين الخيال لا نور عين الحس فافهم فإنه ينفعك معرفة كونه نورا فتعلم الإصابة فيه ممن لا يعلم ذلك وهو الذي يقول هذا خيال فاسد وذلك لعدم معرفة هذا القائل بإدراك النور الخيالي الذي أعطاه الله تعالى كما أن هذا القائل يخطىء الحس في بعض مدركاته وإدراكه صحيح والحكم لغيره لا إليه فالحاكم أخطأ لا الحس كذلك الخيال أدرك بنوره ما أدرك وما له حكم وإنما الحكم لغيره وهو العقل فلا ينسب إليه الخطأ فإنه ما ثم خيال فاسد قط بل هو صحيح كله وأما أصحابنا فغلطوا في هذا القرن فأكثر العقلاء جعل أضيقه المركز وأعلاه الفلك الأعلى الذي لا فلك فوقه وإن الصور التي يحوي عليها صور العالم فجعلوا واسع القرن الأعلى وضيقه الأسفل من العالم وليس الأمر كما زعموا بل لما كان الخيال كما قلنا يصور الحق فمن دونه من العالم حتى العدم كان أعلاه الضيق وأسفله الواسع وهكذا خلقه الله فأول ما خلق منه الضيق وآخر ما خلق منه ما اتسع وهو الذي يلي رأس الحيوان ولا شك أن حضرة الأفعال والأكوان أوسع ولهذا لا يكون للعارف اتساع في العلم إلا بقدر ما يعلمه من العالم ثم إنه إذا أراد أن ينتقل إلى العلم بأحدية الله تعالى لا يزال يرقى من السعة إلى الضيق قليلا قليلا فتقل علومه كلما رقي في العلم بذات الحق كشفا إلى أن لا يبقى له معلوم إلا الحق وحده وهو أضيق ما في القرن فضيقه هو الأعلى على الحقيقة وفيه الشرف التام وهو الأول الذي نظهر منه إذا أنبته الله في رأس الحيوان فلا يزال يصعد على صورته من الضيق وأسفله يتسع وهو لا يتغير عن حاله فهو المخلوق الأول ألا ترى الحق سبحانه أول ما خلق القلم أو قل العقل كما قال فما خلق إلا واحدا ثم أنشأ الخلق من ذلك الواحد فاتسع العالم وكذلك العدد منشؤه من الواحد ثم الذي يقبل الثاني لا من الواحد الوجود ثم يقبل التضعيف والتركيب في المراتب فيتسع اتساعا عظيما إلى ما لا يتناهى فإذا أنهيت فيه من الاتساع إلى حد ما من الآلاف وغيرها ثم تطلب الواحد الذي نشأ منه العدد لا يزال في ذلك تقلل العدد ويزول عنك ذلك الاتساع الذي كنت فيه حتى تنتهي إلى الاثنين التي بوجودها ظهر العدد إذ كان الواحد أولا لها فالواحد أضيق الأشياء وليس بالنظر إلى ذته بعدد في نفسه ولكن بما هو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فلا يجمع بين اسمه وعينه أبدا فاعلم ذلك والناس في وصف الصور بالقرن على خلاف ما ذكرناه وبعد ما قررناه فلتعلم أن الله سبحانه إذا قبض الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية حيث كانت والعنصرية أودعها صورا جسدية في مجموع هذا القرن النوري فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن وبنورها وهو إدراك حقيقي ومن الصور هنالك ما هي مقيدة عن التصرف ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلهم وأرواح الشهداء ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا في هذه الدار ومنها ما يتجلى للنائم في حضرة الخيال التي هي فيه وهو الذي تصدق رؤياه أبدا وكل رؤيا صادقة ولا تخطىء فإذا أخطأت الرؤيا فالرؤيا ما أخطأت ولكن العابر الذي يعبرها هو المخطىء حيث لم يعرف ما المراد بتلك الصورة ألا تراه صلى الله عليه وسلم ما قال لأبي بكر حين عبر رؤيا الشخص المذكور أصبت بعضا وأخطأت بعضا وكذلك قال في الرجل الذي رأى في الله صلى الله عليه وسلم صورة ما رآه وما قال له خيالك فاسد فإنه رأى حقا ولكن أخطأ في التأويل فأخبره صلى الله عليه وسلم بحقيقة ما رآه ذلك النائم وكذلك قوم فرعون يعرضون على النار في تلك الصور غدوة وعشية ولابد خلونها فإنهم محبوسون في ذلك القرن وفي تلك الصورة ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب وهو العذاب المحسوس لا المتخيل الذي كان لهم في حال موتهم بالعرض فتدرك بعين الخيال الصور الخيالية والصور المحسوسة معا فيدرك المتخيل الذي هو الإنسان بعين خياله وقتا ما هو متخيل كقوله صلى الله عليه وسلم مثلت لي الجنة في عرض هذا الحائط فأدرك ذلك بعين حسه وإنما قلنا بعين حسه لأنه تقدم حين رأى الجنة ليأخذ قطفا منها وتأخر حين رأى النار وهو في صلاته ونحن نعرف أن عنده من القوة بحيث أنه لو أدرك ذلك بعين خياله لا بعين حسه ما أثر في جسمه تقدما ولا تأخرا فإنا نجد ذلك وما نحن في قوته ولا في طبقته صلى الله عليه وسلم وكل إنسان في البرزخ مرهون بكسبه محبوس في صور أعماله إلى أن يبعث يوم القيامة من تلك الصور في النشأة الآخرة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل انتهى الجزء الثامن والعشرون .
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
يوم المعارج من خمسين ألف سنة . . . يطير عن كل نوام به وسنة
والأرض من حذر عليه ساهره . . . لا تأخذنها لما يقضي الإله سنه
فكن غريبا ولا تركن لطائفة . . . من الخوارج أهل الألسن اللسنه
وإن رأيت امرأ يسعى لمفسدة . . . فخذ على يده تجزى به حسنة
ولتعتصم حذرا بالكهف من رجل . . . تريك فتنته يوما كمثل سنه
Shafi 384