615

A Cikin Adabin Zamani

في الأدب الحديث

Yankuna
Misira

ولعل المنفلوطي كذلك كان يظهر إلى هؤلاء النظامين الذين لا يعرفون ماهية الشعر وجوهره، ويأتون بالغث من الكلام، وهو وإن كان منظوما إلا أنه خال من كل أركان الشعر، عار عن شروطه، وأصوله، فلا عاطفة ولا يخال ولا سمو تعبير، والصلة بين الشعر والوزن هي التي جعلت بعض الناس يدخلون في باب الشعر كل منظوم وإن خلا من سمات الشعر الأصيلة فيقول المنفلوطي: "تلك الصلة هي التي خلطت بينهما وعمت على كثير من الناس أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد الشعراء وألقت عليهم جميعا رداء واحدا لا يستطيع معه التمييز بينها إلا لقليل من الناقدين المستبصرين، فأصبحنا نقرأ القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد بيتا، ونتصفح الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر # على قصيدة"، ويجمل المنفلوطي بعد ذلك رأيه في الشعر وتعريفه محددا شروطه ومعالمه بقوله: "وعندي أن أفضل تعريف له أنه تصوير ناطق؛ لأن القاعدة المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله، ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرا يكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه يبكي لبكائه ويضحك لضحكه ويغضب لغضبه، ويطرب لطربه ويطير معه في الفضاء الواسع من الخيال فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها وشموسها وأقمارها ورياضتها وأزهارها وسهولها وجبالها وصادحها وباغمها وناطقها وصامتها من حيث لا ينقل إلى ذلك قدما".

وهو بهذا قد فطن إلى أن الغاية من الأدب هي نقل الأثر الذي يحسه الأديب إلى السامع أو القارئ ومشاركته في أحاسيسه كأنه مع وعانى تجربته.

ولا شك أن هذه لمحات جيدة من هؤلاء الأدباء كان لها أثرها الفعال في القضاء على أدعياء الشعر، وفي دفعة نحو القوة والجزالة والصدق، ولكنهم لم يخرجوا عن دائرة الشعر العربي القديم في أغراضه وفي موضوعاته، ولم يأتوا بنظريات جديدة، وإن قاموا بعرض القديم عرضا طريفا يتناسب مع الثقافة المعاصرة لهم وانتشار التراجم العربية بين أيديهم.

ولا يخرج عن مثل هذه النظرة ما قاله إبراهيم المويلحي في تعريفه للشعر وبيان جوهر1، وسنعرض لرأي الرافعي في الشعر عند الكلام عنه في هذا الفصل إن شاء الله.

ولكن ثمة عوامل كثيرة دعت الشعراء الذين ساروا على نهج الشعر العربي القديم في أغراضه، وفي نظام القصيدة وفي المعاني، والأخيلة، أن يسلكوا بالشعر طريقا جديدة. ولقد بينا فيما سبق بعض هذه العوامل، من تأثر بالثقافة الأجنبية ثم تأثر بالنهضة القومية.

Shafi 230