A Cikin Adabin Zamani
في الأدب الحديث
وقد أكرمت مصر مطران، واحتفت به وآثره الخديو عباس عبد وفاة مصطفى كامل بالعناية والرعاية؛ فساعده في شغل منصب الأمين المساعد بالجمعية الزراعية بعد أن أفلس على أثر مضاربات في السوق المالية، وشكا حاله في عشره. وأنعم عليه بالوسام المجيدي الثالث في أغسطس سنة "1912"4، وقد أوعز إلى إسماعيل "باشا" أباظة الذي اشتهر بأدبه وباتصاله بالأدباء في ذلك الوقت؛ وفي أن يوحي للأدباء المصريين والسوريين بإقامة حفل يكرمون مطران، وقد أقيم هذا الحفل في إبريل سنة 1913 تحت رعاية الخديو عباس، وناب عنه فيه الأمير "السابق" محمد علي، وأثنى على مطران ثناء جما5، وأغدق عليه الشعراء المصريون المشهورون جليل الثناء، فكرمه شوقي وحافظ وإسماعيل صبري وأحمد نسيم وغيرهم، وما قاله الأمير "السابق" محمد علي في حديثه له6: "قد عرفت مطران من عهد والدى حتى الآن، فرأيته امتاز بانصرافه كل هذا الزمان إلى المحافظة على خطة ولاء مستقيمة لم يحد عنها كل حياته القلمية # في مصر، وهذا الثبات على المبادئ والإخلاص الدائم لمصر والمصريين هو فضيلة يجب اعتبارها وإكرام المتحلى بها".
وقد كان لعطب عباس عليه أثر في شعره فمدحه بأكثر من قصيدة1. ولكنه بعد أن خلع عن العرش لم يذكره مطران بكلمة خشية سلطة اللاحتلال، وقد مرت فترة الحرب العالمية الأولى، وما عانته مصر في خلالها من عسف وظلم، وهو صامت لا يتكلم، فلما اضطرمت نار الثورة المصرية، وظهرت على مسرح السياسة وجوه جديدة، خص منها بالمحبة والثناء سعد زغلول، وإن لم يكن له في الثورة وحوادثها الدامية، وظلم المحتل الغشوم وجبروته أي كلمة وأول صوت نسمعه له هو تحية "سعد" حين عودته من سيشل2 بقصيدته التي مطلعها:
خفت لطلعة وجهك الأعلام ... ومشت تحيط بركبك الأعلام3
ولكنه يقف بعد ذلك من الحوادث المصرية موقفه الأول، وهو الحياد، والترقب؛ لأنه ثمة أحزابا، وانشقاقا في الصفوف، ويخشى أن يتهم بالميل لهذا الحزب أو ذاك فيجني عليه هذا الاتهام، والحزبية في مصر قاسية لا تغفر للمرء حسن ماضيه، وعظيم بلائه في سبيل بلاده، وتراه يرثي زعماء الأحزاب قاطبة: ثروت، وعدلي، وسعد، ولا يقول إلا في الأمور الوطنية العامة كتمثال نهضة مصر، وعيد الجلاء، وتمثال سعد، وتمثال مصطفى كامل وما شابهها، وانصرف إلى العمل في خدمة المسرح المصري، مديرا للفرقة القومية، وعكف على قول الشعر الخالد.
وثمة شاعر آخر يمثل لونا في السياسة والشعر غير ألوان هؤلاء الذين ذكرناهم، وهو ولي الدين يكن، أهمله مؤرخو الأدب والنقاد المصريون، فلا يعرف عنه الناس إلا قليلا؛ وذلك لأنه لم يكن ذلك الوطني المصري المخلص، بل كان من حزب الاحتلال، ورجال كرومر.
Shafi 154